في مواجهة الأزمات المتفجرة والساخنة والباردة التي يعاني منها العالم، انطلقت مناقشات الدورة 63 للجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة مختلف القضايا العالمية المشتعلة العسكرية والسياسية والاقتصادية، وخصوصا تلك التي لم تفلح المنظمة الدولية بميثاقها وهياكلها في التوصل إلى حلول لها على مدى 62 دورة سابقة لتحقيق العدالة والسلام.

وربما تكون الجمعية العامة التي تمثل برلمان العالم حيث لا «فيتو» للدول الكبرى، هي الساحة الأكثر ملاءمة لطرح القضايا العربية والإسلامية، من مجلس الأمن الذي يمثل حكومة العالم والذي تغيب فيه المساواة، وتتحكم فيه الدول الكبرى وفقا لسياستها في مصير الدول الصغرى، بقرارات تغلب على معظمها الانتقائية وتغيب عنها في الغالب معايير العدالة الدولية وبالمخالفة لميثاق الأمم المتحدة ذاتها أحيانا .!

وإن كنا نستطيع أن نفهم منشأ هذا الاختلال في هيكل الأمم المتحدة الذي يتيح لخمس دول، بل دولة واحدة أن تفرض إرادتها بالموافقة أو بالاعتراض على إرادة 14 دولة هى مجموع أعضاء مجلس الأمن الدائمين والمؤقتين، بل على إرادة 191 دولة هى مجموع دول العالم الأعضاء في الجمعية العامة.

بما ينتج عن ذلك من تحكم الأقلية في الأغلبية، أي غياب الديمقراطية العالمية في النظام الدولي. وإذا كان يمكن أن نتفهم أنه من الطبيعي ـ وليس من الصحيح ـ أن يصدر عن مجلس الأمن في ظل هذا الاختلال، وسوء استخدام الصلاحيات المقررة للدول الخمس الكبرى قرارات ظالمة وقرارات معقولة وقرارات متوازنة أحيانا.

فإنه من غير الممكن أن نفهم إصدار مجلس الأمن قرارات بعينها وفق الفصل السابع الملزمة والإصرار على تنفيذ ها فورا وبالقوة العسكرية على دول معينة عربية وإسلامية غالبا، أو مناهضة للغرب أحيانا، بينما يصر بنفس القدر على إصدار قرارات من الفصل السادس غير الملزمة فقط على الدول الحليفة للغرب إذا اضطر مع التباطؤ في التنفيذ!!

لكن الذي يستحيل قبوله هو تحكم دولة واحدة كأميركا في المنظمة الدولية كلها بالفيتو في إبقاء إسرائيل فوق القانون الدولي وخارج إطار المحاسبة الدولية رغم إرادة المجتمع الدولي، وتمنع المنظمة الدولية من تنفيذ عشرات القرارات الدولية التي صدرت عن الجمعية العامة وعن مجلس الأمن ذاته تتعلق بالقضية الفلسطينية وخاصة فيما يتعلق بتقسيم فلسطين وبعدم شرعية ضم القدس وبحق اللاجئين في العودة وبإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضي فلسطينية وسورية ولبنانية حتى الآن رغم أن عمر بعض هذه القرارات هو من عمر الأمم المتحدة نفسها؟!

وقد نتفهم عجز مجلس الأمن عن منع العدوان الأنجلو أميركي على العراق مثلا خارج إطار الشرعية الدولية بل وعدم محاسبته لها على انتهاكها للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة لأنهما طبعا تملكان الفيتو للاعتراض على كل ما هو حق وعدل ولتمرير كل ما هو مخالف للحق والعدل.. لكننا لا نفهم ولا نقبل أن يقوم مجلس الأمن بمكافأة المعتدى بشرعنة الغزو والاحتلال، مثلما يكافئ المعتدى الصهيوني ويعترف باغتصابه لأرض فلسطين، بل ويحمى احتلاله للأرض العربية دون قرار واحد من الفصل السابع إياه!

وهذا الوضع المختل الذي يحتاج إلى الإصلاح الفوري هو ما دعا الرئيس الجديد للجمعية العامة للأمم المتحدة، في افتتاح الدورة الجديدة إلى مهاجمة هيمنة القوى الغربية على المنظمة الدولية، وتزايد سلطات مجلس الأمن على حساب الجمعية العامة مطالبا بإضفاء الطابع الديمقراطي على الأمم المتحدة.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com