مسيرة اللقاءات والمصالحات التي انطلقت في الآونة الأخيرة، بين القوى المتنازعة في لبنان؛ لا تزال مندفعة بزخم متزايد. بدأت في أكثر النقاط التهاباً وقابلية للتفجير، شمال لبنان. نجحت في امتحانها الأول. تجاوزها لحقل الألغام الكبير أعطاها مباركة وطنية واسعة.

بدا وكأن قطارها قد غادر المحطة باتجاه نقاط أخرى، وفعلاً تابعت اقتحامها. أجواء الانفراج أخذت تتوسع. بسرعة دخل المتضررون على الخط، عبر العودة إلى مسلسل الاغتيالات والتفجيرات المتجولة. ضرب التفجير في مواقع حساسة. كانت الرسالة أن المصالحات الجارية، غير مسموح لها بمواصلة طريقها إلى النهاية.

لكن مساعي الصلح تواصلت، بالرغم من استمرار الاهتزاز الأمني من تحت. تضافرت عوامل ملائمة وحسابات، لدفعه إلى الأمام. عزّز هذا المناخ انعقاد مؤتمر الحوار الوطني، برعاية رئيس الجمهورية، الذي افتتح قبل أيام أولى جلساته.

وأول أمس أخذ هذا الحراك جرعة نوعية، بزيارة وفد نيابي من حزب الله إلى رئيس تيار المستقبل، في بيروت. تطور ترك وقعه الايجابي على مجمل الوضع اللبناني؛ لما أثاره من ارتياح عام ومن هبوط في درجة التوتر. لكن بقدر ما كان نقلة نوعية واعدة، بقدر ما أنه يضع الكرة في ملعب الطرفين، لتحويل المصارحة إلى مصالحة وطنية شاملة.

الآن قطعت هذه المسيرة مسافة ملحوظة. تحقق ذلك بعد فترة أمنية عصيبة، وصلت فيها الأمور إلى حافة الهاوية. خلالها كشّرت الفتنة عن أنيابها وبات شبحها يخيم على البلاد بقوة. التوقيت كان مناسباً. ترافقت مع بداية الحوار، وجاءت قبل افتتاح موسم الحملة الانتخابية الواقفة على الأبواب.

من شأن ذلك أن يؤدي إلى تبريد الأجواء سلفاً، ليمرّ الاستحقاق الانتخابي بسلام. هذا هو المأمول والمفترض، لكن حتى يتحقق هذا الغرض وتستكين الأوضاع، ولو عند الحدّ الأدنى، لا بدّ من أن تأخذ موجة المصارحة - المصالحة، مداها وتستكمل دورتها. فهي الآن تشق طريقها على مستوى القيادات، أي من فوق. مطلوب نزولها إلى تحت.

الشارع هو العصب. وهذه مهمة تتطلب حصول تغيير حقيقي في الخطاب. كما أنها تبقى مرهونة بمدى تطوير عملية إدارة الصراع، ونقله من الشارع إلى أطره السياسية التي يجري التوافق عليها والالتزام بها.

ثم إن هذه الموجة لا بدّ وأن تجتاح المواقع التي لا تزال على الضفة الأخرى؛ والتي شهدت جبهتها مؤخراً اهتزازات أمنية؛ انفتحت معها جروح قديمة؛ تهدّد، إذا ما تعذر تطويقها وبقيت تتفاعل، بعرقلة مناخات التصالح. دفع لبنان فاتورة كبيرة قبل أن يصل إلى حيث هو الآن.

أخذته دورة مكلفة حتى عاد بالنهاية إلى الحوار والمصالحة. من غير الجائز تفويت الفرصة وعدم انجاز المرغوب والمطلوب، لصون هذا البلد؛ في لحظة دقيقة من تاريخه، كما من تاريخ المنطقة.