فجأة ونحن نستعد لتجهيزات العيد، التقيت في أحد مراكز التسوق صديقة قديمة كانت أيضا جارتنا في الفريج وزميلة دراسة، لم نفترق إلا عند الدراسة الجامعية حيث اتجهت إلى جامعة الإمارات في مدينة العين واحة الإمارات الخضراء، فيما اختارت زميلتي الدراسة في جامعة الكويت.
لم تكن ملامحها بعد تلك السنوات كما كانت، لكن بالطبع لم تتغير كثيرا عما كانت عليه ولم تفلح السنوات الطويلة في طمس مسحة البسمة التي لم تكن تفارق وجنتيها، حتى في أشد لحظات الحزن كانت البسمة مرسومة بكل وضوح على محياها.
خرجنا من المحل وجلسنا في ركن في المقهى، تعرفنا على بعضنا من جديد وتوالف الصغار سريعاً، وفجأة ومن غير مقدمات وجدنا أنفسنا وكأننا نغادر كل ماهو من حولنا إلى عالم آخر وجدناه أكثر جمالا وأشد بساطة هو عالم عشناه معا، وأول ما تبادر إلى أذهاننا كان الفريج الجميل بكل تفاصيله.
تذكرنا شقاوتنا التي لم تكن تختلف عن شقاوة الصبيان في الحي، والدراجات الهوائية التي كنا نستقلها جماعات ذكورا وإناثا في رحلات جماعية من غير أي تحفظ.
حيث لم تكن نظرة الصبيان إلى البنات يشوبها ما نراه اليوم، نتجرأ أحيانا ونغادر فريجنا إلى الفرجان المجاورة، نعود إلى البيوت عند المغرب وقد تحولنا أشباحا بفعل الغبار والتراب، نجتمع حول مائدة العشاء البسيطة ونشاهد رسوما في جهاز «التلفزيون» الوحيد الموجود في البيت و«الأريل» الذي كان يحتاج إلى ثلاثة أشخاص لضبط الصوت والصورة فيه، نقلد بعض ما نشاهده كما كان يفعل الصبية في تقليد «غراند دايزر» أما «دكتور هو» المسلسل الشهير فكانت مشاهدته متعتنا الكبيرة، وننتظر حلقاته بكل شوق مساء كل ثلاثاء، بل ونتفاعل بكل جوارحنا مع أحداث المسلسل ومعركة «دكتور هو» ضد الشر.
ورقيا لم نكن نفوت موعد الأربعاء مع «مجلة ماجد» التي لطالما تقطعت بين أيدينا في معركتنا الأسبوعية حول من يفوز بقراءتها قبل الآخرين ويبحث في ثناياها عن «فضولي» ويتابع عبر صفحاتها حكايات شمسة في بحثها عما يجعلها جميلة وموزة الحبوبة.
تساءلت صديقتي ألم نحيا طفولة أفضل مما يحياها أبناؤنا هذه الأيام، حيث الأمان كان شائعا، والفرجان بعرضها وطولها كانت لنا باستثناء مساحات بسيطة منها كان يشغلها من وفدوا إلينا مثل «بابو» راعي الدوبي والخياط والمصور وغيرهم، لم يحدث قط أن سمعنا بجريمة هزت المجتمع، خاصة في ما يقع ضد الصغار.
ثم استطردت قائلة نتذكر جميعا أول جريمة من هذا النوع وقعت كانت في إمارة رأس الخيمة ضد طفلة استدرجها بائع آسيوي واعتدى عليها ثم قتلها، تلك الجريمة التي شغلت الرأي العام ولم يهدأ إلا بتقديم المجرم للعدالة وتنفيذ الحكم فيه.
أما اليوم فحدث ولا حرج، كل شيء تغير وأصبح يومنا بل حياتنا مرهونة بما لم يعد في أيدينا التخلص منه أو حتى السيطرة عليه.. انتهى اللقاء ولم ينته الحنين إلى زمن ولى ومضى.
