ربما لم يتوقع كثيرون ما نشر عن دعوة وجهتها مصر إلى حزب الله ليرسل وفدا إلى القاهرة لمناقشة أمور حيوية وقضايا ذات اهتمام مشترك. فالعلاقة بين الطرفين لم تكن تشي بهذا إطلاقا، لكن منطق السياسة طالما قفز على الكثير من التوقعات والتخمينات المستندة في الغالب الأعم إلى المؤشرات المستقاة من الواقع المعيش، والتي كان ظاهرها يقول من دون مواربة أو تردد إن علاقة القاهرة بهذا الحزب ستراوح بين فتور وغبن لفترة ليست بالقصيرة.
ولو أمعن من تصوروا استمرار الجفاء بين الدولة العربية الكبرى والحزب العربي الأشهر النظر في التغيرات الجوهرية التي أحاطت بسياق العلاقة بين الجانبين لما استغربوا أبدا من هذا الخبر، بل كانوا قد انتظروه، وأعدوا العدة لتحليل الأسباب والدوافع التي تؤدي إليه. فمصر إن كانت قد انتقدت ما أسمتها «مغامرة حزب الله» حين أقدم على أسر جنود إسرائيليين في العاشر من يوليو 2006 فوجدت إسرائيل ذريعة لتنفيذ هجوم مبيت على لبنان، فإن القاهرة لم توافق أبدا على تدمير لبنان، ولم يكن يروق لحكومتها هزيمة حزب الله، وظل شعبها معجبا بصمود الحزب في الحرب، وطالما أعلن من خلال وسائل عدة عن تضامنه مع المقاومة، ثم ابتهج بشكل ظاهر حين انتهت الحرب بتحقيق نصر استراتيجي لصالح المقاومين.
ومصر تراقب عن كثب التطورات المرتبطة بفتح باب التفاوض بين سوريا وإسرائيل، وتراجع الولايات المتحدة الأميركية تدريجيا عن فكرة توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، علاوة على تخلي واشنطن عن حلفائها في لبنان، أو على الأقل عدم تقديمها الدعم الكافي لهم، الذي يمكنهم من الانتصار سياسيا.
وعلى ما يبدو فقد قرأت الدبلوماسية المصرية هذه المعطيات الجديدة، ومن ثم تحركت في اتجاه التقارب مع حزب الله، واضعة نصب عينيها أن مثل هذه الخطوة يمكن أن تؤدي إلى تحقيق نتائج طيبة على أكثر من صعيد، وهي المسألة التي التقطتها إسرائيل ذاتها، التي انزعجت من هذا التقارب، وراحت تقيم نتائجه بسرعة، فانتهت إلى أن مصر رمت من دعوة وفد من حزب الله لزيارة القاهرة إلى حل المشكلة المعقدة بقطاع غزة، والتي استعصت على حلول عربية كثيرة، وذلك بعد أن أدركت القاهرة أنه لا يمكن التغلب على حماس من دون تعاون بناء مع حزب الله.
وبالطبع فإن تل أبيب لا تريد حلا لهذه المشكلة، ولا تريد أي شكل من أشكال التعاون أو التفاهم بين مصر وحزب الله، ومن ثم لم تكتف التحليلات الإسرائيلية باعتبار هذه الدعوة صفعة لرئيس الوزراء المنتهي حكمه إيهود أولمرت بل رأتها إنجازا استراتيجيا من الدرجة الأولى للأمين العام ل«حزب الله» السيّد حسن نصر الله، لأنها تنطوي على «اعتراف أكبر وأهم الدول العربية به رسميا وبمكانته ليس فقط في لبنان بل أيضا خارجه».
وأكثر ما يزعج إسرائيل من هذه الدعوة أنها يمكن أن تترجم إلى رقم إيجابي في إطار المساعي المصرية للتقريب بين سوريا والمملكة العربية السعودية، بل الأدهى والأمّر بالنسبة لإسرائيل هو أن يكون حزب الله جسرا حيويا بين القاهرة وطهران في هذه اللحظة التاريخية الفارقة بمنطقة الشرق الأوسط.
وعلى الأرجح فإن مصر لم تقصد هذا فقط بل تسعى أيضا إلى رأب الصدع في الجبهة اللبنانية الداخلية، ومنعها من الانزلاق إلى حرب أهلية، بدليل أنها سبقت أن وجهت دعوة في السادس والعشرين من أغسطس المنصرم إلى أحد أقطاب السنة في لبنان، وهو رئيس الوزراء الأسبق عمر كرامي لزيارة القاهرة، وقت أن كان وزير الخارجية أحمد أبو الغيط يزور بيروت.
وتعتمد مصر في هذه الناحية على احتفاظها بعلاقات جيدة نسبيا مع كل الأطراف اللبنانية، إذ إنها لم تتورط في مناصرة سافرة لفريق على حساب الآخر، مثل ما فعلت قوى إقليمية عربية أخرى، فالقاهرة رسميا وإن كانت مالت إلى فريق 14 آذار فإنها لم تقطع خط الاتصال بالفريق الآخر، ولم تنه خط الرجعة في أي لحظة من اللحظات مع تيار المعارضة، بل إنها كانت حريصة دوما في عمق الأزمة أن تتحدث صراحة عن مخاوفها المتمثلة في تنامي النفوذ الإيراني بالمنطقة.
لكن مع اقتناع القاهرة بعدم وجود فائدة من فتح صراع ضد طهران، أو الانسياق وراء خطط غربية تريد للعرب أن يتخذوا من إيران عدوا بدلا من إسرائيل، وفي ظل عدم تحمس القاهرة للحسم العسكري للأزمة النووية الإيرانية، لم تنقطع شعرة معاوية بين مصر وحزب الله.
ومصر وإن كانت تتفق مع السعودية في ضرورة عدم السماح بتراجع دور وموقف ووضع الطائفة السنية في لبنان فإنها لا ترى تحقيق هذه النتيجة مرتبطا بتزكية الصراع ضد الشيعة أو المسيحيين بمختلف مذاهبهم إنما عبر الحفاظ على التوافق الداخلي، طبقا للمعادلات التي تحكم الحياة السياسية اللبنانية منذ توقيع اتفاقية الطائف في عام 1989 والتي أنهت أربعة عشر عاما من الحرب الأهلية الضروس.
ولأجل تحقيق هذا الهدف عبر هذا الطريق أو ذلك الأسلوب ترعى مصر والسعودية مباحثات مع رؤساء الوزراء السابقين، مثل سليم الحص ونجيب ميقاتي، لتوحيد الصف السني في الانتخابات المقبلة، نظرا لأن الدولتين تريان أن خسارة تيار 14 آذار الأكثرية النيابية في الانتخابات التي ستجرى في الربيع المقبل ربما تؤدي إلى ذهاب القرار إلى إيران وهو ما تعمل القاهرة والرياض على منعه، لكن هذه المرة بطريقة مختلفة تتمثل في جذب حزب الله أكثر إلى الأرضية العربية كي يعزز من البعد الوطني في سياساته.
لكل هذا قال وزير الخارجية المصري لوزير العمل اللبناني محمد فنيش، الذي ينتمي إلى حزب الله: «إننا نرحب بك في القاهرة وبأي مسؤول من حزبكم».
كاتب وباحث مصري

