لقد ظهر مصطلح «تحت خط الفقر» مؤخراً في تقارير وأدبيات البنك الدولي، وكتابات بعض المختصين الاقتصاديين والاجتماعيين. لقد كان الناس يسمعون ويقرأون عن ظاهرة الفقر لكننا اليوم نسمع ونقرأ عن بشر يعيشون تحت خط الفقر وهذا يعني انهم أموات وهم أحياء، والأمر من ذلك ان من بين تلك الشعوب شعوباً عربية.

لا نتحدث عن ضرورة تنمية هذه البلدان فهذه مسألة طويلة ومعقدة في ظل الظروف التي تعيشها تلك الدول من تخلف وصراعات إثنية قبلية وطائفية، لكن نتحدث عن مساعدات عاجلة تصل لمستحقيها من مواطني تلك الدول.

وبإلقاء نظرة على خارطة القرن الافريقي تجد دولاً عربية تقع في الركن الجنوبي الغربي للقارة الافريقية ما بين البحر الأحمر والمحيط الهندي هي: الصومال وجيبوتي واريتريا، وفي فترات تاريخية سابقة دخلت زنجبار تحت السيادة العمانية ثم انفصلت عنها.

وتعتبر الصومال أكبر دول القرن الافريقي مساحة وسكاناً، وتتمتع بموقع استراتيجي على المحيط الهندي وخليج عدن وتحدها عدد من الدول الافريقية أثيوبيا وكينيا وجيبوتي وعلى الرغم من أهمية موقع الصومال على المحيط الهندي وبالقرب من مدخل البحر الأحمر الجنوبي إلا أنها بلد يعيش تحت خط الفقر، ويعيش صراعاً سياسياً وقبلياً طويلاً، كان ولا يزال قائماً.

والدليل على أهمية موقع دول القرن الافريقي تسابق الدول الاستعمارية الغربية للسيطرة عليها في التاريخ الحديث مثل بريطانيا وفرنسا وايطاليا، وعاشت المناطق العربية في القرن الافريقي ثلاثة أنواع من الصراعات وهي: صراع مع القوى الاستعمارية، وصراع إقليمي مع أثيوبيا، وصراع قبلي وسياسي داخلي.

وإن كان الصراع الدولي قد انتهى باستقلال الدول العربية في القرن الافريقي 1960، 1970، 1990م. بيد أن الصراع الإقليمي والداخلي قد استمر ينحسر أحياناً وينفجر أحياناً أخرى، وأخطر تلك الصراعات هي الداخلية التي تغذيها وتستغلها في الغالب جهات خارجية، لقد كان ولا يزال مفهوم العالم العربي غير متوازن في اهتمامات المثقفين والسياسيين، فلدى بعضهم أن الدول المؤثرة في سياسة الدول العربية هي الأهم، وهناك دول هامشية تأثيرها السياسي والاقتصادي محدود ولا تلقى الاهتمام لا بشؤونها ولا بمآسيها مثل الدول العربية في القرن الافريقي.

إن هذه الدول تعيش أزمات اقتصادية وسياسية وهي أعضاء في جامعة الدول العربية، وقريبة من دول الجزيرة العربية والخليج العربي حيث لا يفصلها عنها إلا البحر الأحمر لكن لا احد يهتم بالشعوب التي تعيش تحت خط الفقر في هذه المنطقة، ولا تساهم فعلياً في حل مشكلاتها، وفي كثير من الأحيان تهتم بدول بعيدة عنها آلاف الأميال ولا يمتد بصرها وعونها لإخوتها في هذه المنطقة، وهم أحوج ما يكونون للمساعدة والدعم المادي والسياسي.

إن معظم عرب القرن الافريقي يعيشون تحت خط الفقر ذلك يعني عدم توفر الضروريات للحياة الإنسانية الطبيعية، فإذا كانت الحكومات العربية ومؤسساتها الرسمية غير مهتمة بأوضاع الناس هناك ولا الجامعة العربية فماذا عن دور تبرعات الجمعيات والمؤسسات الخيرية الإسلامية ؟ ماذا قدمت للشعب الصومالي والاريتري والجيبوتي ؟ إن مساعدات هذه المؤسسات لا تكاد تذكر في الصومال لماذا ؟

ربما تربط هذه المؤسسات مساعداتها بالتوجهات السياسية وليس مساعدة الناس الفقراء! حتى رجال الدين من الدعاة يتوجهون إلى دول الخليج النفطية للدعوة وليس إلى دول القرن الافريقي التي هي بأمس الحاجة لهم ربما ينتظرون ظهور النفط في الصومال حتى يتهافتون عليها.

إن تقارير البنك الدولي تضع دول القرن الافريقي والسودان وموريتانيا بأنها من الدول التي تعيش تحت خط الفقر، وعندما تكون هناك شعوب تعيش تحت خط الفقر يعني الجوع والمرض والكوارث الإنسانية، وعلى بعد أميال قليلة يعيش إخوة لهم في العروبة والإسلام حياة رغدة ورفاهية، وتخمة من عائدات النفط، والناس هناك يموتون من الجوع والمرض والمآسي الأخرى. إن دوراً تتحمله الحكومات، وآخر تتحمله الجمعيات الخيرية في الدول العربية النفطية والتي لديها ميزانيات خيالية وأحياناً أموالاً لا تدري ماذا تفعل بها.

لا نريد أن تطرح مثل هذه القضايا طرحاً عاطفياً، ولا يريد أولئك الفقراء جداً منّه من يساعدهم، ولكن المسألة بلغت حداً خطيراً من الناحية الإنسانية تتطلب الإسراع في تقديم العون لإخواننا في العروبة والإسلام والإنسانية في منطقة القرن الافريقي، وقد حدثنا زميلنا د. غانم النجار ممثل الأمم المتحدة في الصومال عن أوضاع السكان المعيشية التي لا يتصورها إنسان في هذا العصر.

إذا كان معظم السكان يعيشون تحت خط الفقر ذلك يعني الكارثة، وإن معظم المساعدات الدولية وقليل منها عربية تتعرض للنهب من الميليشيات المسلحة في الصومال، كما أن مساعدات إقليمية تصل إلى أطراف النزاع مما يغذي آلة الحرب والصراع، وتساعد على استمرارها دون أن ترسل تلك المساعدات إلا ما ندر إلى السكان الذين يعانون الفقر الشديد والمرض وعدم توفر الخدمات الضرورية والأساسية.

إن التعلل بعدم الاستقرار والصراع السياسي والمسلح كعائق لتقديم المساعدات لا يبرر ذلك التقاعس عن دعم الناس، إن أوضاع السكان في القرن الافريقي وبخاصة في الصومال تتطلب استنفار الحكومات والصليب الأحمر والجمعيات الخيرية للتحرك لمساعدة هؤلاء السكان.

إن ظاهرة الفقر في أي مجتمع تترتب عليها مشكلات اجتماعية وسياسية، فتنتشر الجريمة بكل أنواعها فما بالك عندما تعيش شعوب تحت خط الفقر. إنه الموت البطيء، ومطلوب من الذين يقدمون زكواتهم وصدقاتهم في دول الخليج العربية قبل غيرهم أن يطلبوا توجيهها لمستحقيها في القرن الافريقي. نعلم أن شعوباً عديدة في العالم تشكو من الفقر، وبحاجة إلى المساعدة لكن أخوتكم في العروبة والإسلام في القرن الافريقي لهم الأولوية والأقربون أولى بالمعروف.

كاتب كويتي

riyadh.essa@it.sws