في الهزيع الأخير من الليل تحلِّق مروحية عسكرية أميركية فوق أحد أحياء بغداد السكنية قاصدة منزلاً معيناً تصب عليه الجحيم. في لمح البصر يتحوَّل المبنى إلى ركام من تراث واسمنت، جميع أفراد الأسرة الثمانية، بمن فيهم أطفال ونساء، يتحوَّلون إلى أشلاء متناثرة من لحم وعظم ودم.
القيادة العسكرية أمرت بالهجمة بناء على معلومات استخبارية سماعية بأن رب الأسرة ينتمي إلى تنظيم «القاعدة».
على الفور ينشأ فراغ قانوني. فالسلطات الأمنية العراقية عاجزة عن التحقيق مع العسكريين الأميركيين لأنهم لا يخضعون للقانون العراقي.
مثل هذه الحادثة التي وقعت الأسبوع الماضي تتكرر على الدوام. وقد درجت القيادة العسكرية الأميركية في كل مرة على الوعد بإجراء تحقيق، لكن الوعد يتبخر مع مرور الأيام. والنسيان العمد يطوي أمر الحادثة إلى أن تقع هجمة أخرى مماثلة فيتجدَّد الوعد الأميركي الزائف. والآن تريد الولايات المتحدة إبرام اتفاقية أمنية مع الحكومة العراقية بشأن بقاء القوات الأميركية على الأراضي العراقية. الاتفاق ضرورة قانونية إجرائية.
فوجود القوات الأميركية في العراق محكوم بتفويض للولايات المتحدة من الأمم المتحدة وبما أن الأجل الزمني لهذا التفويض ينقضي رسمياً عند نهاية ديسمبر المقبل، فإن واشنطن تريد استباق ذلك الموعد بإبرام اتفاق أمني مع حكومة نور المالكي في بغداد يتضمن نصاً بتجديد بقاء القوات الأميركية بناء على طلب الحكومة العراقية نفسها.
هنا نشأ خلاف تفاوضي حاد بين واشنطن وبغداد بشأن شروط الاتفاقية. وكما ذكرنا فإن القانون العراقي حالياً لا يطال تصرفات العسكريين الأميركيين على الأراضي العراقية. بقاء هذه الحصانة القانونية المطلقة للأميركيين بعد ديسمبر هو بالضبط ما تصر عليه الولايات المتحدة كبند رئيسي في الاتفاقية الأمنية التي يجري التفاوض حولها.. بينما يرفضه الجانب العراقي.
العملية التفاوضية مستمرة.. ولا ندري كيف ينتهي الأمر قبل حلول موعد الحادي والثلاثين من ديسمبر! لكن الخيار أمام العراقيين واضح: إما أن يتمسكوا من دون أدنى مساومة، بأن لهم دولة مستقلة ذات سيادة وطنية كاملة. وإما أن يسمحوا باستمرار الوجود العسكري الأميركي كدولة داخل دولة.
بدأ التدخل الأميركي بحملة غزو مبنية على كذبة ملفقة بشأن أسلحة دمار شامل لا وجود لها.. وتحوَّل الغزو إلى احتلال.. والآن يريد الأميركيون أن يرتقي الاحتلال إلى مستوى استعمار مستديم.
