يبدو أن عهد القطبية الأحادية قد بدأ يتقهقر ويموت ببطء. فبوادر عودة الحرب الباردة بدأت تطرق أبواب الساحة السياسية الدولية بعودة قوية لروسيا التي تريد أن تنتقم لنفسها منذ انهيار الاتحاد السوفييتي سنة1990.

روسيا وبكل اعتزاز تريد أن تدافع عن أمنها القومي وعن مصالحها ووجودها في مجالها الحيوي الطبيعي. فالزحف الأميركي الأطلسي على أوروبا الشرقية يقلق روسيا حيث أنه يطرق أبوابها وأمنها من كل الجهات ولا يولي أي اعتبار لسيادة الآخرين و مصالحهم ولا يراعي قواعد احترام العلاقات مع الآخرين.

حالة من التوتر تميز العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة هذه الأيام تؤشر إلى تسارع في سلبية العلاقات بين البلدين والتي تؤدي إلى المواجهة بدون شك. في الفترة الماضية قامت روسيا بتجربة صاروخ عابر للقارات متعدد الرؤوس وذاتي الدفع.

كما قامت بتدريبات لقاذفاتها الإستراتيجية على الساحل الغربي لأميركا الجنوبية وبتجهيز ميناء طرطوس السوري ليصبح محطة تموين للأسطول البحري الروسي، وتبحث تزويد إيران بمنظومات دفاعية جوية متطورة كما قامت بإجراء مناورات بحرية مشتركة بين قواتها والقوات الفنزويلية وأخيرا تهدد روسيا بإغلاق مجال جوها أمام الطائرات الأميركية والأطلسية المتوجهة إلى أفغانستان.

عاد من جديد موضوع منظومة الدفاع الصاروخية إلى الأوساط الإعلامية والسياسية والدبلوماسية كنتيجة للدرع الصاروخية الأميركية في كل من جمهورية التشيك و بولندا.

روسيا لن تستلطف المبادرة الأمريكية التي تعتبرها مناورة أمريكية لإحراز التفوق على القوى الاستراتيجية الروسية وأن الأمر لا يتعلق بمواجهة التهديدات الإيرانية. فهل يعتبر فتح ملف منظومة الدفاع الصاروخية هو فتح ملف الحرب الباردة بين روسيا وحلفائها الجدد (منظمة شنغهاي للتعاون) والولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من دول أوروبا الشرقية والناتو؟

وهل حالة التوتر الراهنة تنذر بالحرب الباردة التي عاشتها البشرية لعقود من الزمن بعد الحرب العالمية الثانية؟ أم أن المنظومة الدولية بحاجة إلى عالم متعدد الأقطاب؟ و هل زمن القطبية الأحادية قد ولى؟ و أن الولايات المتحدة الأميركية لا تستطيع أن تقود العالم بمفردها، وأن العصر الأميركي قد ولى.

يعترف الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين أن انهيار الاتحاد السوفييتي السابق كان أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين، وأن قيادة العالم من قبل دولة واحدة أمر غير سليم وغير صحيح وقد يؤدي إلى مخاطر عديدة.

ما يحدث اليوم في العراق و في أفغانستان باسم الحرب على الإرهاب يعتبر من تداعيات الأحادية القطبية ومن نتائج غطرسة أميركا وانفرادها بقيادة العالم. فالطريقة التي تتعامل بها أميركا مع النزاعات والخلافات في العالم طريقة خاطئة ومليئة بالتناقضات.

فحسب بوتين، العالم بحاجة ماسة إلى نظام دولي جديد متعدد الأقطاب وأنه لا توجد دولة واحدة في العالم تستطيع حل مشكلات الأمن الدولي بمفردها. فالمنظومة الدولية بحاجة إلى نظام عالمي يضمن الأمن و إمكانيات وسبل التطور والتنمية لجميع بلدان العالم بشكل متكافئ.

المؤشرات الأخيرة لبوادر الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية توحي بأن أميركا لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تستمر في قيادة العالم لوحدها. على جبهة أخرى نلاحظ حرب باردة تقودها أميركا مع حلفائها العرب وإسرائيل ضد إيران و حلفائها سوريا و حماس و حزب الله. فأميركا تسعى للقضاء على أية حركة أو فكر أو أيديولوجية تناقض أو تنافس أطروحاتها في المنطقة. كما تهدف أميركا لدفع الدول العربية وخاصة الخليجية منها إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.

فالحرب الباردة على الجبهة الخليجية تصب في مصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى، أما على الجبهة الروسية فإنها تهدف إلى عزل إيران ومراقبة برنامجها النووي وإيقافه نهائيا.

رد فعل روسيا على الدرع الصاروخية الأميركية في التشيك وبولونيا، أي على حدودها، جاء قويا وخاصة وهي المبادرة بالانسحاب من معاهدة حظر الصواريخ الباليستية عام 2002. فالرئيس بوتين عبّر عن استيائه من زحف الناتو باتجاه حدود روسيا في عدة مناسبات.

أما أميركا فترى في أن الانتشار متواضع ويهدف إلى التعامل مع البرنامج النووي الإيراني، في حين يرى الروس أن هذا التبرير مرفوض أساسا لأن إمكانية وصول الصواريخ الإيرانية إلى الأراضي الأميركية لن ترى النور قبل عشر سنوات أو أكثر. وهذا ما جعل الروس وجميع حلفائهم في المنطقة يرون أن الدرع الصاروخية الأميركية تشكل خطرا على الأمن القومي الروسي بصفة خاصة و أمن المنطقة بصفة عامة.

تفرض الولايات المتحدة الأميركية نظاما عالميا جديدا على العالم وتنفرد بالسيطرة عليه وتتسبب في فوضى عالمية تحت اسم الحرب على الإرهاب، والنتيجة كما يعرفها الجميع حروب وأعمال إرهابية ومواجهات وصراعات تزيد المنظومة الدولية توترا وقلقا ومشاكل عديدة.

فمشكلة القوقاز ما هي إلا مشكلة طبيعية لغطرسة أميركا وتعنتها وعدم احترامها للاتفاقيات التي أبرمتها مع روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. رد فعل روسيا كدولة عظمى جريحة جراء انهيار الاتحاد السوفييتي سنة 1990 هو الانتقام واسترجاع كبريائها وعظمتها التي فرضتها على العالم لأكثر من سبعة عقود.

حسب المختصين والخبراء في العلاقات بين أميركا وروسيا، فإن موسكو وواشنطن مطالبتان بالتعاون بدلا من الصراع والتصادم نظرا لأنهما يواجهان نظاما عالميا ناشئا تتجاوز تهديداته وآفاقه إمكانيات و قدرات أية دولة قومية للتعامل معه بمفردها. فانتشار أسلحة الدمار الشامل وظاهرة الإرهاب وتحديات البيئة والاحتباس الحراري والاقتصاد العالمي والتنمية المستدامة كلها تفرض التعاون والتنسيق وتضافر الجهود من أجل مصلحة الجميع، بدلا من الصراع والمواجهة.

فالتعاون الأميركي الروسي أصبح أمراً لا مفر منه حيث إن كل بلد يواجه أخطاراً أكثر وأكبر من تلك التي يمثلها البلد الآخر. وهنا يجب الإشادة بمبادرة الرئيس الروسي بوتين الذي اقترح من خلالها ربط الناتو بأنظمة التنبيه الروسية وهذا من أجل التعامل بشكل مشترك مع مسائل وقضايا تتعلق بتهديد كل الدول معاً.

لقد حان الوقت بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية أن تراجع أجندة سياستها الخارجية وتتصرف بطريقة واقعية ورشيدة مع القيادة الروسية الحالية خاصة في ظروف تحاول روسيا فيها المحافظة على أمنها القومي وإحكام قبضتها على مجالها الحيوي وجوارها القريب. هل سيشهد العالم في المستقبل القريب عهد التعاون والتكامل، أم أن منطق الصراعات والنزاعات والحروب سيبقى هو المسيطر؟

كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae