بينما يحاول المسؤولون في «البيت الأبيض» تطويق آثار الزلزال المالي الذي وقع يوم «الاثنين الأسود بعدة إجراءات غير رأسمالية» كالتأميم وتدخل الدولة في آليات السوق الحرة، بعد إفلاس بنك «ليمان» الذي أوقع هزة كبرى في النظام المصرفي الأميركي وهددت توابعه النظام المالي العالمي كله.. فقد أثار هذا الزلزال أكثر من علامة استفهام، كما أثارت محاولات الإدارة الأميركية لمعالجة آثاره أكثر من علامة تعجب، خصوصا بعد تأميم مؤسستين بنكيتين هما «ليمان براذرز» و«ميريل لينتش».
واحد من علامات الاستفهام القلق هو ما طرحته في لندن صحيفة «صنداي تلغراف» في افتتاحيتها بعنوان «ابنوا رأسمالية أفضل» هو: ما مدى خطورة هذه الأزمة؟.. ثم ما لبثت أن أجابت نافية وجود إجابة واضحة قائلة: «بعد أسبوع من الاضطرابات غير المسبوقة التي شهدتها الأسواق المالية والتي اتخذت الولايات المتحدة خلالها خطوات درامية، ما زال السؤال هو: ما مدى خطورة الأزمة؟ بلا إجابة!..
وواحد من علامات التعجب هو ما طرحه العديد من المراقبين من أن «التأميم» كان أحد تلك الخطوات الدرامية التي اضطرت الإدارة الأميركية للجوء إليه.. أي أن معالجة الأزمة الرأسمالية تمت بإجراءات اشتراكية!.. وهو ما يتنافى بطبيعة الحال مع الفلسفة الرأسمالية.
فبينما يقوم الاقتصاد الرأسمالي على قاعدة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج سواء للأفراد والشركات إلى غير ما حد، وعلى السوق الحر بحيث تترك آليات السوق الحرة لقطاعات الإنتاج والخدمات بعيدا عن تدخل الدولة تحديد مدى نجاح هذه الشركات أو تراجعها..
و في حين يقوم الاقتصاد الشيوعي على قاعدة الملكية العامة بتأميم كل وسائل الإنتاج بحيث لا ملكية فردية ولا شركات بل مؤسسات عامة فقط، وعلى تحكم الدولة بالتخطيط المركزي في عمليات الإنتاج والتسعير والتسويق والتصدير والاستيراد وفق السياسة العامة للدولة..
يقوم الاقتصاد الاشتراكي، وفق تجاربه العربية، على السيطرة العامة على وسائل الإنتاج، والسيطرة العامة لا تعني الملكية العامة حيث لا تستلزم تأميم كل وسائل الإنتاج، وإنما تعتمد ثلاث نظم للملكية: القطاع العام الأكبر، والقطاع التعاوني، والقطاع الخاص تعمل وتتكامل في إطار اقتصاد موجه وخطط للتنمية.
وقد أثبتت التجارب التي مرت بها هذه النظم الثلاث أن كلا النقيضين الشيوعي والرأسمالي يحمل في داخله بذور الأزمة، فالمنع المطلق يقود عملية النمو إلى الأزمة، كما أن الحرية المطلقة تقود إلى الأزمة، مما جعل النظم الشيوعية تواجه أزماتها بالانفتاح على النظم الرأسمالية والأخذ منها، والنموذج الصيني مثل شيوعي.. كما دفع النظم الرأسمالية في مواجهة أزماتها إلى اتباع بعض إجراءات النظم الاشتراكية، والنموذج البريطاني مثل رأسمالي.
وما طرحته الصحيفة البريطانية لم يكن بعيدا عن هذا الطرح حيث قالت إن الإجراءات الأميركية في مواجهة الأزمة هو «شكل من أشكال الاشتراكية بالتأكيد. فلقد تم التخلي عن مبدأ السوق الحر بواسطة أولئك الذين كانوا يصرون على أنه ضمان الرخاء العالمي»!.. ومؤكدة أن لجوء أميركا إلى تأميم معظم القطاع البنكي يعني أنها « قريبة من الكابوس»!..ليبقى السؤال هو: وماذا بعد؟ يطرح الكاتب البريطاني السؤال، ثم يجيب: لا أحد يعلم!
أليس هذا إقراراً بالأزمة.. وإقراراً بأن علاج الأزمة هو أن خير الأمور الوسط؟
كاتب مصري
