الخطاب الذي ألقاه الرئيس بوش، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في اليوم الأول من دورتها العادية؛ كان كالعادة، جولة أفق مكرورة. لا جديد فيه ولا ملامسة للقضايا والملفات الرئيسية؛ التي تهمّ العالم المخنوق بمشكلات وتحدّيات عاتية.
وبالذات التي تهم منطقتنا. منها ما تجاهلها بالمرة. ومنها ما عرج على سيرتها بصورة عابرة وضبابية، كالعادة. تحدث بإسهاب عن موضوع الإرهاب، حذّر من التهاون في محاربته، وشدّد على خطورته وأهمية التصدّي له.
أفاض أيضاً في الكلام عن الديمقراطية والحرية. وهي أمور تستحق التحذير والتنويه. لا يخالفه أحد في ذلك، من حيث المبدأ. طبعاً، مطلوب التعاون لمكافحة الإرهاب ومحاصرته. لكن الرئيس بوش أراد دوماً، التعاون بشروطه. وليس سرّاً أن ذلك كان أحد أبرز الأسباب وراء تراخي العمل المشترك، ضدّ الإرهاب.
والأزمة المتفاعلة الآن، بين إدارته وباكستان تسلط الضوء على هذا الجانب. مع ذلك تبقى هذه الآفة جديرة بالمواجهة وبالدعوة للتضافر بشأنها. بيد أن الرئيس بوش كاد أن يحتكر هذا الموضوع كل خطابه ويطغى عليه. ذكر عبارة إرهابي اثنتين وثلاثين مرة؛ مقابل تجاهل تام لأزمة المجاعة التي تهدّد الملايين والتي دعت الأمم المتحدة إلى تقديم مساعدة عاجلة لاجتناب كارثة. لم يذكر مرة واحدة كلمة بيئة وسخونة المناخ، التي تهدّد هي الأخرى بكوارث مدمرة.
وكأن كل التحذيرات والإنذارات التي صدرت في هذا الشأن لم تفلح في زحزحته عن تشبثه بأن سخونة المناخ لا علاقة لها بالنشاطات الإنسانية. أيضاً السلام والمفاوضات مرّ عليهما مرور الكرام. اكتفى بالقول ان « الفلسطينيين يستحقون دولة حرة لهم». أما من يقف في طريق هذه الدولة، مسألة لا تخصّه. أو كأنه لا يدري ولا بمقدوره أن يفعل شيئاً في هذا المجال.
وكذا كانت، إلى حدّ بعيدّ، كلمة الرئيس الفرنسي. كلام معسول، لكن من غير أن يغادر العموميات، مع الاكتفاء بالتوكيد على المبادئ. أما التفاصيل، خاصة بالنسبة إلى الشرق الأوسط، فبقيت غائبة.
إلا فيما يتعلق منها بإسرائيل، التي حرص على تجديد التزام بلاده بأمنها. أوروبا، كما قال باعتباره الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي»، تؤكد لإسرائيل أنها صديقة لها ولن تدع أحداً يهدّد وجودها وأنها ستكون دوماً إلى جانبها».
عندما أشار إلى فلسطين، بقي عند حدود الكلام الفضفاض، بأنه لن يكون هناك سلام طالما ليست هناك دولة فلسطينية قابلة للحياة. نسخة عما سبق وقاله مراراً وتكراراً، الرئيس بوش. وكنظيره الأميركي، تجنب الخوض أو حتى الإشارة في ملفات البيئة والفقر.
الرئيس بوش ألقى آخر خطاب له، من على هذا المنبر، كرئيس. كان حرياً به أن يتناول قضايا وهموم هذه المرحلة غير المسبوقة في تحدّياتها وقضاياها البالغة الخطورة. سيما وأن من بينها ما صنعته إدارته، أو ما عزفت عن المساهمة في معالجته، فازدادت تعقيداته. بدل أن يلامس الأمور بطرح مختلف ولو على سبيل تسجيل موقف، بقي على مكابرته وتجاهله لقضايا الساعة وهمومها.
