أليس غريبا أن تكون الولايات المتحدة في خضم أزمات متلاحقة تحت حكم بوش ثم لا يحقق الحزب المنافس تقدما كاسحا في استطلاعات الرأي؟
ففي عهد بوش غزت أميركا بلدين بحجم العراق وأفغانستان ولم تحقق في أي منهما الأهداف التي كانت الإدارة قد حددتها بنفسها منذ البداية. وفي عهده أيضا خسرت أميركا الكثير من رصيدها وهيبتها حول العالم. أما في الداخل ففضلا عن الانحسار غير المسبوق الذي تعرضت له الحريات المدنية والأداء الحكومي البائس في وجه الكوارث الطبيعية، فقد تردت أحوال الاقتصاد حتى خرجت الأزمة المالية عن حدود السيطرة في الأسبوع الماضي وصارت تنذر بعواقب وخيمة.
بل أكثر من ذلك، فالمرشح الجمهوري جون ماكين ليس وجها جديدا، وإنما هو أحد أعمدة الحزب الجمهوري في واشنطن منذ ربع قرن، وهو يتفق في الجوهر مع الأسس الفكرية التي قامت عليها سياسات بوش الخارجية والاقتصادية.
لكن مع كل ذلك، ظلت استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم أوباما بفارق ضئيل على منافسه جون ماكين، ثم حقق ماكين تقدما على أوباما استمر طوال الأسابيع الماضية منذ أن اختار سارة بيلين نائبة له. ولم يبدأ أوباما يستعيد بعض التقدم إلا بعد أن خرجت أزمة سوق المال الأميركية عن السيطرة في نهاية الأسبوع الماضي، وهو التقدم الذي يظل ضئيلا إذا ما تم تقييمه في ضوء فشل سياسات الجمهوريين في السياسة الاقتصادية والخارجية على السواء. بل إن ماكين يظل متعادلا مع أوباما في بعض الولايات الحيوية مثل أوهايو.
ومن هنا يصبح السؤال: لماذا؟ وللإجابة عن هذا السؤال تنبغي الإشارة أولا إلى أن الوقت لا يزال مبكرا للغاية للتكهن بما سوف تسفر عنه الانتخابات الحالية. فلا تزال هناك مناظرات تليفزيونية لم تجر بين المرشحين ونائبيهما، ولا تزال هناك أسابيع طويلة من الممكن أن تحمل أحداثا كبرى ترجح كفة أي من المرشحين. ولكن يظل مع ذلك من المهم التعرف على الأسباب التي تجعل من أوباما، الذي بدا في الحملة التمهيدية كالصاروخ الصاعد دون توقف، في وضع وكأنه محلك سر.
والأسباب متعددة في هذا الخصوص. ومن بين هذه الأسباب المسألة العرقية. فمن المهم التذكير بأن نجاح أوباما في الحملة التمهيدية كان نجاحا داخل الحزب الديمقراطي الذي هو أصلا حزب الدفاع عن حقوق الأقليات منذ حركة الحقوق المدنية، وما يصدق على ناخبي الحزب الديمقراطي لا يصدق على غيرهم.
ومن هنا فإن استطلاعات الرأي ليست مفيدة في الكشف عن العنصرية المستترة لدى بعض الناخبين الذين يرفضون تأييد أسود للرئاسة، فهؤلاء الناخبون سوف يذكرون عشرات الأسباب لإحجامهم عن تأييد أوباما ليس من بينها أبدا لون جلده. بعبارة أخرى، سوف نظل جميعا بمن في ذلك الأميركيون أنفسهم لا نعلم حتى يوم الاقتراع العام مدى تأثير المسألة العرقية على نتائج الانتخابات.
أما السبب الثاني المهم فيتعلق ببراعة حملة ماكين في «تغيير الموضوع». ففي ظل الأوضاع البائسة التي تمر بها أميركا حاليا تحت حكم بوش، من المستحيل على أي مرشح ينتمي للحزب نفسه أن يفوز بالرئاسة إذا ما كانت الانتخابات متركزة حول القضايا المهمة. ومن هنا تقوم استراتيجية حملة ماكين على تغيير الموضوع، أي صرف الانتباه عن القضايا المحورية وتسليطها على أي شيء آخر.
وهذا ما عبر عنه صراحة كبير مسؤولي حملة ماكين، حين قال إن «الانتخابات الحالية لن تحسمها القضايا، وإنما سيحسمها رأي الناخبين في شخصية كل مرشح». ومن هنا كان اختيار سارة بيلين مناسبا تماما، فهي تثير حماس تيار اليمين الديني، فضلا عن أنها صاحبة شخصية كارزمية أضافت زخما إلى حملة ماكين كانت تفتقده تماماً.
وليس مهما في هذا الإطار أنها معدومة الخبرة ولا أنها صاحبة مواقف متطرفة، ولكن المهم أن وجودها من شأنه أن يساعد على إدارة حملة تلعب على انقسامات الأميركيين وتركز على قضايا مثل الإجهاض وحقوق المثليين، وليس الأزمة الاقتصادية ولا الحرب في العراق وأفغانستان. ولا يهم أيضا أن بيلين لا تكف عن الكذب الصريح بشأن سجلها السياسي وإنجازاتها، بل إنها تكذب بشأن حقائق موثقة مثل ما يمثله إنتاج ألاسكا من الطاقة بالنسبة للإنتاج الكلى لأميركا، فالإعلام الأميركي سوف يتكفل بهذه المسألة.
فحتى هذه اللحظة لم يضع الإعلام نائبة ماكين تحت المجهر وهو يشير إلى كذبها الصريح على استحياء. بعبارة أخرى، فإن حملة ماكين عازمة كل العزم على إدارة حملة سلبية تقوم على الاتهامات المتبادلة والقضايا الهامشية، لا القضايا المحورية.
غير أن هناك سببا آخر لا يقل أهمية لعجز أوباما عن التقدم الواضح على ماكين، وهو يتمثل في أوباما نفسه. وهو ما اتضح بجلاء حين جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن في حملة ماكين وفرضت الأزمة المالية نفسها على الانتخابات.
فالمشكلة أن أوباما منذ أن فاز على هيلاري كلينتون في الحملة التمهيدية، راح يدير حملة تقليدية تشبه إلى حد كبير حملات المرشحين الديمقراطيين في سنوات سابقة، من زاوية السعي لتقديم نفسه باعتباره يمثل الوسط السياسي. ورغم أن تلك الاستراتيجية تهدف إلى جذب الناخبين المستقلين والمحافظين، إلا أنها في جوهرها تتطلب توخي أعلى درجات الحذر في ما يقول وتجنب الخوض في القضايا الخلافية لئلا يستعدي أي فريق من الناخبين، وهو الأمر الذي يحرمه من اتخاذ مواقف جريئة توضح الفارق بينه وبين ماكين بشأن المشكلات المحورية.
بعبارة أخرى يستخدم أوباما استراتيجية انتخابية نجحت في حمل كلينتون إلى البيت الأبيض مرتين، لكن تلك الاستراتيجية الانتخابية باتت غير مجدية في الظرف الاستثنائي الذي تمر به الولايات المتحدة، ولا يمكنها بالمناسبة أن تسمح لمن يفوز بموجبها أن يخرج أميركا من أزمتها الراهنة.
كاتبة مصرية
