خلال الأيام الماضية أدلت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بتصريحات ساخنة وجهت فيها انتقادات حادة لروسيا ولسياساتها ليس فقط في القوقاز، وإنما بصدد ما اعتبرته السياسات الداخلية غير الديمقراطية.
ويبدو واضحا أن تصريحات رايس واقعة تحت تأثير الأجواء الانتخابية في الولايات المتحدة، ومع الاعتراف بأن العلاقات الروسية-الأميركية تعاني من أزمة حادة بسبب التباين الكبير في مواقف البلدين تجاه العديد من القضايا الجوهرية على الساحة الدولية، فمن الملاحظ انه مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة الأميركية تزداد لهجة واشنطن حدة وقسوة في انتقاد موسكو.
وبالرغم من أن خطاب رايس لم يختلف في جوهره عن تصريحات البيت الأبيض خلال الشهرين الماضيين، إلا انه كان يعبر عن مزاج حاد ورأس ساخن يلتهب من قذائف الصراع على رئاسة الولايات المتحدة. ولابد من القول إن هذا الخطاب لم يكن موجها لروسيا، وإنما كان موجها إلى أوروبا بالدرجة الأولى، بهدف توحيد الموقف الأوروبي ضد روسيا.
وذلك في ظل تباين كبير في المواقف بين أطراف المجتمع الأوروبي، إضافة إلى تراجع حلف شمال الأطلسي عن تشدده في التعامل مع روسيا، ودعوته الأخيرة للحوار بهدف التوصل إلى تسوية.
وقد فرضت المرحلة الجديدة على روسيا أن تعيد النظر في محاور سياساتها الخارجية، وهو ما عبر عنه الرئيس مدفيدف في المبادئ الخمسة الأساسية للسياسة الخارجية لروسيا وهي احترام القانون الدولي، ونظام القطبية المتعددة، ورفض المواجهة مع أي بلد، وحماية المواطنين الروس أينما تواجدوا، وحماية مصالح روسيا في المناطق الصديقة.
هذا التعديل في مبادئ السياسة الخارجية لم يكن فقط بسبب تفاقم التوتر في القوقاز وإنما بسبب تراكمات في العلاقات الروسية الغربية ناتجة عن إصرار واشنطن على تجاهل مصالح روسيا، وقد يعتبر البعض أن هذه المبادئ تحمل تناقضا واضحا بين احترام القانون الدولي لما يعنيه من سيادة الدول واستقلالها، وحماية مصالح روسيا في المناطق الصديقة، إلا أن هذا التناقض شكلي، باعتبار أن علاقات التعاون بين روسيا والدول الصديقة تعبر بالتأكيد عن مصالح روسية يجب صيانتها.
وبالرغم من هذه التغيرات الجذرية في الوضع الجيوسياسي، وفي قواعد التعامل بين روسيا والغرب، إلا أن الولايات المتحدة مازالت تخاطب المجتمع الدولي وتحديداً روسيا بلهجة الأوامر، والقرارات التي لا تحمل أي احترام لسيادة ومصالح من تخاطبهم، في نفس الوقت الذي تواجه واشنطن سلسلة من الهزائم في أفغانستان والعراق، وأزمة مالية حادة، باختصار تواجه هزيمة حقيقية لكافة سياساتها بكل المقاييس. ما يثير تساؤلاً.. حول الأسس التي تستند لها الإدارة الأميركية في مخاطبة العالم بهذا الأسلوب ووفق هذا المنطق الفاشل الذي أثبتت تجارب واشنطن عبثيته.
إن كل التطورات الجارية في أزمة القوقاز بما فيها توقيع معاهدتي الصداقة والتعاون مع جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وابخازيا تعكس توجهات جديدة في السياسة الروسية، تحمل في مضمونها نوايا روسيا على مواجهة الغرب، وسياساتها التي لا تحترم مصالح بقية الأطراف الدولية.
ولابد من القول إن هذا التوجه كان تطورا منطقيا بعد سنوات طويلة من محاولات التعاون والتقارب مع أوروبا في مختلف الملفات الحيوية والهامة، ولم تلق هذه المحاولات استجابة من الغرب، بل كان يتم تجاهل المصالح الروسية، ما تسبب في عودة الصراعات الدولية الكبرى.
إن التوجهات الجديدة في سياسات روسيا بناء على التطورات الجارية يتمثل في أحياء اتحاد روسيا- بيلاروسيا، والتوجه إلى العالم الإسلامي، والسعي لتطوير التعاون مع الصين والهند ودول شرق آسيا، في إطار مواجهة مساعي الغرب لعزل روسيا ما يعني العودة للنهج السابق في التوجه إلى العالم الثالث.
كاتبة روسية