كُتب محليا الكثير من المقالات الصحفية التي تتناول بعضا من مشكلات التعليم الجامعي، ورغم أن بعض هذه المقالات بدت وكأنها مناقشة لقضايا وحالات شخصية أو خاصة، إلا أنها لا تلبث أن تكون عامة ذات علاقة بنائية بالتعليم الجامعي بشكل عام.
وقد كتبت مؤخرا إحدى الصحفيات المحليات سلسلة من المقالات التي تناولت فيها بعضا من شؤون جامعة البحرين، ولن أدخل كثيرا في مناقشتها أو مناقشة الردود الواردة عليها والتي حملت قدرا من الانطباعية ولربما قدراً من التجني، بل إنها في بعضها كانت أشبه بحالة من حالات ما يسميه الإخوة اللبنانيون ب«فش الخلق».
إلا أن أهمية هذه الردود تنبع من كثرتها غير العادية، والتي عبرت في بعضها عن مأزق لا أجده إلا حقيقيا لوضع التعليم الجامعي في البحرين، أو بالأحرى وضع المؤسسة الجامعية. وهي ردود رغم ما قد بدا على بعضها من انحيازية أو عصبوية، إلا أن بعضها الآخر قد عبر عن خلل ولربما مأزق يشوب مؤسستنا الجامعية.
فأن لا تكون جامعتنا الوطنية من ضمن أفضل خمسمائة جامعة عالمية مصنفة من قبل اليونسكو، قد يخفف منه غياب كل الجامعات العربية المعروفة وغير المعروفة، أما أن تختفي عن أفضل مائة جامعة شرق أوسطية وأن تحتل الرتبة السابعة والأربعين بين أفضل الجامعات العربية وأن تتقدم عليها كل الجامعات الخليجية المعروفة.
بل وأن يتقدم عليها كذلك بعض من الجامعات الخليجية الحديثة، فإن الأمر يعبر هنا عن مأزق حقيقي ولا بد من التفاتة ليست سريعة لوضع مؤسستنا الجامعية، وهي حالة لا يمكن أن تخرجنا منها هبة الردود التي قد تأتي علينا، أو بعض من «الفزعات» الصحفية المرتبة.
بل ما يخرجنا منها إنما هو العمل الجاد والحقيقي لتجاوز معضلاتنا المؤسساتية، وهي معضلات لم تكن الإدارة الجامعية الحالية مسؤولة عنها، وإنما هي نتاج لتراكم سنين من المعضلات التي قد أصبحت مع الزمن قواعد ومعايير متأصلة في بنائنا المؤسسي، بل ونتبناها كمعايير لا يمكننا الفكاك منها.
وأقول هنا إن معضل مؤسستنا الجامعية لم يبد لي خاصا بنا في حالتنا البحرينية وإنما هي معضلات عامة تكاد أن تشمل في بعضها الحالة الخليجية بقدر كبير أو صغير. وهي معضلات شكلت مأزق مؤسساتنا الجامعية الحالي، والتي يمكننا تحديدها في التالي:
أولا: لا يمكن لأي مؤسسة تعليمية، أو بالأحرى أية مؤسسة كانت أن تنهض دون إدارة قوية واعية بدورها مدركة لمتطلبات نهوضها. ونحن هنا لا نتحدث عن الإدارة في مواقعها السياسية، وإنما نتحدث عن الإدارة في مواقعها الأكاديمية وفي دورها المعرفي.
وفي وصفنا للإدارة القائمة أو لنقل بعضها، فإنها تتسم بنقص الكفاءة وتكاد أن تنعدم فيها مقومات الإدارة الأكاديمية من الناحية الشخصية والأكاديمية والمعرفة العلمية. وقد باتت ظاهرة تسييس المواقع الجامعية بمسمياتها المختلفة أحد أهم معضلات الإدارة الجامعية في الخليج، لافتقارها للمتطلبات الشخصية والمعرفية للإدارة الجامعية.
ثانيا: عمليات التعيين للمناصب القيادية في هذه الجامعات أصبحت في بعضها منزوعة من المعايير الموضوعية أو حتى من الشروط الشخصية كمتطلبات واجبة في من يقود العمل الجامعي. وأصبحت المتغيرات العصبوية والشخصية ولربما الانحيازات السياسية عوامل تتقدم عن الأخرى الموضوعية في من يتولى المراكز القيادية الجامعية.
ونتيجة لذلك استوت على قيادة جل العمل الجامعي في المنطقة قيادات لا تنتسب للعمل الأكاديمي بضوابطه وقيمه وأصوله، وتفتقر للخبرة الإدارية الصحيحة والمستوى الأكاديمي والمعرفي المتقدم.
ثالثا: وارتباطا بالسابق، بل تمفصلا به فإن ضعف هذه الإدارة قاد إلى ضعف في بعض عناصر هيئتها التعليمية، بل إن بعضا من وافديها ومحلييها قد اعتمد في بقائه أو صعوده على شبكة من العلاقات الشخصية والخاصة مع مراكز للنفوذ خارج المؤسسة الجامعية.
بل إن بعضا منهم، كما أشار إلى ذلك أحد التعليقات الصحفية، قد ساهم في تحويل التعليم الجامعي إلى «بقالات» و«دكاكين» لبيع المقررات المعلبة. وبعض آخر منهم، وتحديدا بعض من الوافدين فقد حمل لواء «الكتابة» عن بعض من الأكاديميين المحليين من أصحاب «السطوة والنفوذ» داخل مؤسساتنا الجامعية، والذين لا يمثل إنتاجهم العلمي إنتاجا علميا حقيقيا يضيف إلى المعرفة البشرية. وقد لا يعفى من ذلك بعض عناصر الهيئة التعليمية المحلية الذين لا يتفق سلوكهم مع قيم المؤسسات الأكاديمية العلمية العليا.
رابعا: الاختلال الإداري والضعف الأكاديمي والمعرفي لبعض أعضاء الهيئة التعليمية، قاد إلى اختلالات مهمة على صعيد العملية التعليمية، سواء من حيث تبني تقنيات وآليات جديدة في عملية التدريس، أو من حيث تخلف وقدم معلوماتها العلمية عن الجديد في الحقل التخصصي، وهي معلومات يتم بها حشو عقل الطالب حشوا ميكانيكيا.
وإذا ما كان هذا المدرس «عاطلا» من الناحية المعرفية والقدرة على الإبداع الأكاديمي، فإن نتاجاتهم العملية والتعليمية هي الأخرى ستكون عاطلة عاجزة عن أن تأتي بإضافات حقيقية مستقبلا على الصعيد العملي. فالرغبة في الشهادة أكثر منها في المعرفة باتت تشكل جوهر العملية التعليمية الجامعية، حتى أن بعضا من الجامعات الخاصة قد اندفع وفق منطق السوق نحو اختصار السنوات التعليمية من أربع لسنتين اثنتين فقط!
من هنا فإن الشكوى التي تثيرها قطاعات التوظيف في القطاع الرسمي والخاص عن «كهولة» معرفية وضعف في البناء الشخصي للمخرجات البشرية لبعض أو جل مؤسساتنا الجامعية، إن هي في الأصل إلا نتاجا لضعف المدخلات الإدارية و«هزال» مكوناتها البشرية والمعرفية الأولى. وسيكون الضعف متصلا إذا ما كان بعض من نتاجاتنا الطلابية الضعيفة هو الذي سيقود يوما العملية التعليمية في جامعاتنا.
ويفضح الإنتاج العلمي لهؤلاء مرة أخرى «الهشاشة» المعرفية التي هم عليها، بل ما قد يسمى تجاوزا بالتكوين المعرفي الذي قد تشكلوا هم وفق منطقه أو أصوله. من هنا فليس بغريب فقط اختفاء جامعاتنا الخليجية عن أفضل خمسمائة جامعة عالمية، وإنما اختفاء بعض من جامعاتنا الخليجية رغم «جعجعتها» الإعلامية بالتميز والذي كما يقولون «لن يقبلوا دونه شيئا»، عن أفضل مائة جامعة شرق أوسطية تصدرتها جامعات إسرائيلية وإيرانية.
إن التميز في التعليم الجامعي لا يمكن أن يكون دون تميز معرفي لأفرادها وتمرس في قيم الإدارة، كما أن ذلك لا يمكن أن يكون دون تميز معرفي لطواقمها التعليمية. وستعجز كل محاولات الإصلاح عن تحقيق أهدافها، إذا لم تَصَبْ في جذر المشكل وفي مواقعه الإدارية وفي البناء المعرفي وفي الطواقم البشرية وفي تغير أنماط علاقتها بالمجتمع.
كاتب بحريني