بريكس، BRICs ، إنها الكتلة الاقتصادية الرباعية التي تبلورت في العام 2001 لتنطلق سريعة في عالم رأسمالي جديد.. ولعل أفضل من صاغ أطروحتها غولدمان ساكس من بنك الاستثمار الذي يؤكد بأن منتصف القرن الواحد والعشرين سيشهد ذروة بريكس كأغنى كتلة اقتصادية في العالم، وهي تجمع كلا من الصين والهند وروسيا والبرازيل..

ولعل هذا ما يقلق الولايات المتحدة الأميركية كثيرا.. لقد اختلفت بريكس عن كل من منظمة الآسيان التي تجمع بلدان جنوب شرق آسيا، واليوربيان (= الاتحاد الأوروبي) الذي ولد من خلال استراتيجية اقتصادية (السوق الأوروبية المشتركة) ولكنه تغلبت عليه القوة السياسية.. أما النافتا من أميركا الشمالية والمكسيك فهي تسجل تحّولات لها خصوصيتها الأميركية.

وعليه، فإن مجموعة بريكس ما هي إلا تشكيل ناد اقتصادي يمر عبر كل العالم، وقد سجّل تقدما يذكر في اجتماع القمة عام 2008.. بتحول مثل هذه البلدان إلى أوضاع جديدة، وستكون ـ كما يأمل بعض الدارسين ـ من بين الدول المهيمنة اقتصادياً عند العام 2050، خصوصاً وأنها تشتمل على أكثر من 25% من ارض العالم.. و40% من سكان العالم.

إن الصين هي الأكثر حركة ونشاطا من بين الأربعة المؤلفة لهذا النادي الذي سيكون اكبر كيان اقتصادي في التاريخ، وان الولايات المتحدة الأميركية تدرك إدراكاً عميقاً أن هذه التشكيلة ستكون الأكبر والأوسع نمواً في الأسواق الجديدة التي خلقتها ظاهرة العولمة الجديدة.

ويؤكد غولدمان ساكس نفسه، إن لهذه الدول الأربعة إمكانات اقتصادية هائلة لم تستثمر بعد، وما يميزها أن تشكيلتها ليست سياسية كالاتحاد الأوروبي، أو أميركية تعاونية صرفة كالنافتا، ولا إقليمية تجارية خاصة كالآسيان.. بل إنها إنتاجية وتكاملية وأنها في طريقها كي تغدو كاليابان وألمانيا.

إن ندوة علمية ترعى شؤون المستقبل في كندا قد خرجت باستنتاجات مذهلة تقول إن الحلم في بريكس يسير بسرعة كبيرة نحو العام 2050، ومن أكبر الاحتمالات أنها ستغّير نظمها السياسية بتبني الرأسمالية العالمية طريقا لها لا رجعة فيه أبداً..

إذ ستكون الصين والهند أهم بلدين عالميين يورّدان سلعا مصنعّة وخدمات إلى كل العالم، في حين أن البرازيل وروسيا ستهيمنان على توريد المواد الخام، وسيتشكّل تعاون واضح من اجل الهيمنة على السوق وتغدو جماعة بريكس كتلة قوية لاستبعاد مجموعة الثمانية التي لها سيطرتها اليوم.

إن الصين ستكون لها قوتها التصنيعية المنتجة، أما الهند،فسوف تسجل خطوات في إنتاج الخدمات على مستوى العالم.. وتبقى البرازيل مهيمنة على فول الصويا والحديد الخام.. في حين إن روسيا الهائلة ستكون معينا للنفط والغاز الطبيعي..

إن ثمة آراء خطيرة تسجّل هنا حول نجاح التحولات في هذه الدول الأربع مع تحديات كبرى في دواخلها يعمل أبناؤها على الاستجابة لها.. وقد نجحت بعد نهاية الحرب الباردة، لتبدأ إصلاحات سياسية واقتصادية والسعي للدخول في الاقتصاد العالمي.. إن جيلا جديدا قد ترّبى على التعليم، والاستثمار الأجنبي، والاستهلاك المحلي، وتنظيم المشروعات المحلية والعملاقة.. وتقول التقديرات بأن الهند لديها القدرة على النمو الأسرع بين البلدان على امتداد زمن قادم يقّدر ما بين 30 - 50 سنة.

إن التقارير التي نشرت حتى اليوم منذ العام 2004، تؤكد ارتفاع نسبة المدخولات لهذه الدول في تزايد مع تفوق الثروة السكانية، وستنمو الطبقة الوسطي في مجتمعاتها حتى العام 2025 مع توازن النمو، وبالرغم من أن الثروات ستزداد في العالم الأكثر تقدماً.

إلا أن تشكيلة بريكس لها تفكير من نوع آخر، إذ تقف عاجزة أمام مساواة الإنسان في مستويات الدخل مع البلدان المتقدمة الأقل سكاناً.. ولكن هناك خطوات عملاقة في التقدم، فالهند مثلا هي الأسرع نمواً في المناطق الحضرية في العالم، إذ سينتقل بحدود 700 مليون شخص إلى المدن بحلول عام 2025، وهذا يتطلب ثورة في منجزات البنية التحتية.

وهكذا، فإن بريكس تعمل اليوم على إعادة تركيب المجتمعات من جديد وبشكل أوسع على غرار مجموعة الآسيان.. كما أن الجيل الجديد في بريكس امتلك الوعي لتوسع الرأسمالية في هذه البلدان، وقد بدأت هذه الليبرالية بانفتاحها الخصب ذات الوجه «شبه» الإنساني تتعاظم في الأنظمة المقفلة سابقا كالصين أو في التجارب شبه الديمقراطية كالبرازيل.

ويواجه الديمقراطيون الاجتماعيون «اليساريون» الذين كانوا يهيمنون على عدد من الحركات الاجتماعية، لا سيما في روسيا، مشاكل مماثلة. واليوم باتوا يستلهمون محاولات «الإصلاح» في أماكن مثل البرازيل.. كما نلاحظ في بعض دول البريكس المناهضة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في مسلسل منظمة التجارة العالمية.

وتزداد حدة التناقض بحكم أن النمر الجريح واقع تحت الضغط، ليس فقط من جانب الجنوب، بل وأيضاً من جانب الاتحاد الأوروبي وربما أيضاً من جانب الصين التي أصبحت طبقتها الحاكمة مقتنعة إلى حد بعيد بأنها كانت أمام طريقين قبل عشرين سنة، لو سلكت الأول لأصبحت اليوم تعاني كروسيا.. ولكنها اختارت طريقها الثاني الذي سيوصلها إلى الذروة في منتصف هذا القرن!

هنا، أسأل سؤالاً واحداً: أين هي دول ومجتمعات الشرق الأوسط برمته؟ ثمة تجارب رائعة لمجتمعات تسعى بسرعة من أجل اللحاق بهذا العالم المتنافس، ولكن ثمة معوقات! فما الذي يعيق مجتمعاتنا قاطبة من الانطلاق مع الآخرين نحو الذرى؟ ادع القارئ الكريم يفكرّ قليلاً.

مؤرخ عراقي

www.sayyaraljamil.com