لم يشفع له تاريخه السياسي الوطني الطويل على مدى 52 عاما وتعرضه للنفي والسجن من أجل تحرير شعبه من نير العنصرية والاستعباد، ولا دوره النضالي التاريخي الكبير بجانب الزعيم الوطني التاريخي الشهير نيلسون مانديلا في الكفاح ضد الاستعمار الاستيطاني العنصري في جنوب افريقيا..

ولا موقعه القوي على قمة المسؤولية الحزبية كرئيس للحزب الحاكم، والمسؤولية الدستورية كرئيس للجمهورية.. كما لم يشفع له ما حققه من النمو الاقتصادي السريع، حتى وإن رأى معارضوه أن النمو الاجتماعي لم يكن بنفس القدر حيث تم توزيع الثروة بأقل عدالة.

لم يشفع له شيء من ذلك ولا كل ذلك في أن يتحمل مسؤوليته عن ظلم ارتكبه أو خطأ جسيم وقع فيه، ويدفع الثمن فيقدم استقالته من موقعه الرئاسي.. وكما جاء بطريقة محترمة استجابة لإرادة حزبه الوطني وشعبة الافريقي بالانتخاب النظيف لرئاسة الحزب والدولة، هاهو يخرج اليوم من رئاسة الحزب والدولة استجابة لإرادة حزبه وشعبه بطريقة محترمة..

فقد أعلن ثابو مبيكي رئيس جنوب إفريقيا استقالته رسميا من منصبه في خطاب للشعب منذ يومين، وذلك بعد دعوة حزبه «المؤتمر الوطني الإفريقي» له بالتنحي عن الرئاسة، بعد أن اتهمه أحد القضاة بالتدخل في سير القضاء من أجل توريط خصمه المنافس زعيم الحزب السابق جاكوب زوما باتهامه بالتزوير والرشوة!

وبالرغم من نفيه لهذا الاتهام، قبل الرئيس مبيكي الاستقالة قبل انتهاء ولايته العام المقبل، لمجرد الشبهة في اضطهاده لمنافسه السياسي في الانتخابات الرئاسية للحزب، وهو الذي كرس حياته للمؤتمر الوطني الإفريقي، وخلف نيلسون مانديلا في رئاسة الحزب والدولة لفترتين كما ينص الدستور!

ففي الدولة الديمقراطية المحترمة لا إرادة لفرد، أي فرد، تعلو على إرادة الشعب، ولا سلطة لفرد فوق سلطة الشعب.. وفي دولة القانون لا أحد، أي أحد، فوق القانون أو خارج المساءلة، ولا حصانة لأحد تعفيه من الحساب أو من العقاب.. والرجال المحترمون الذين يحترمون أنفسهم ويحترمون شعوبهم، هم الذين يعرفون أن الشعب هو وحده الآمر الوحيد لهم سواء بالاستدعاء أو بالاستغناء، وهم الذين يدخلون إلى السلطة بطريقة محترمة ويخرجون منها بطريقة محترمة.

وفي كل دولة أيا كانت طبيعة نظامها السياسي، وسواء كان ديمقراطيا أو ديكتاتوريا، يعيش مجتمع من البشر لا من الملائكة، والصواب والخطأ هو من طبائع البشر، وكل البشر يصيبون ويخطئون، وليس هناك بشر معصوم من الخطأ كما لا يوجد بشر محروم من الصواب.. لكن التمايز بين نظام ونظام هو في القدرة على التمييز بين الخطأ والانحراف، وبين الحكم والتحكم وبين السلطة والتسلط، وفي النظام المؤسسي السليم يتم تصحيح الخطأ ومحاسبة الانحراف ومنع التسلط.

في الدولة الديمقراطية، حيث السلطة كل السلطة للشعب وحيث الدستور والقانون هو ترجمة حقيقية لإرادة الشعب، يبادر المسؤولون في كل درجات المسؤولية بتحمل مسؤولياتهم بأمانة حين يصيبون، ويتحملون بشجاعة مسؤولية أخطائهم ويقبلون بالحساب عن سقطاتهم حين يتجاوزون.

حيث المعادلة واضحة في العلاقة بين السلطة والمسؤولية، حيث لا مسؤولية بلا سلطة ولا سلطة بلا مسؤولية.. في هذه الدول المسؤولون يستقيلون ولا يقالون لأنهم يفضلون البقاء محترمين أمام أنفسهم وأمام شعوبهم، سواء كانوا مصيبين أو حتى مخطئين!

mamdoh77t@hotmail.com