سبع سنوات مضت منذ أن قررت أمريكا تدويل جهود مكافحة الإرهاب وبناء جبهة عالمية لمواجهة أخطر ظواهر العصر الحديث. فالولايات المتحدة تهاونت كثيرا في الاستجابة لدعوات التحذير من انتشار الإرهاب وأخطاره, التي لن تنال دولة دون أخري. ولكن حين ضرب الإرهاب أراضيها انتفضت وتحسست ترسانتها الجهنمية, واستخدمت كل أدواتها ونفوذها لبناء تحالف دولي لمواجهة عدو لا تراه. وبقدر ما كان الإرهاب أخطر ما واجه المجتمع الدولي خلال العقود الثلاثة الماضية, كانت وسائل الولايات المتحدة في مواجهته هي أكبر الأخطاء في السياسة الأمريكية خلال تلك العقود أيضا. فالطريقة التي واجهت بها إدارة بوش الإرهاب كانت قاعدة أساسية لحماقات وأخطاء أخري كثيرة لا تزال أمريكا والعالم يعاني منها حتي الآن.
وما الأزمة المالية العالمية الحالية إلا بدايات الآثار الوخيمة لأسلوب معالجة ما عرف بحرب الارهاب. وما لم تتدارك الولايات المتحدة مع الإدارة الجديدة القادمة في20 يناير القادم أخطاء الإدارة الحالية في مواجهة التطرف والإرهاب, فإن سيناريوهات الخطر ستظل مفتوحة علي كل الاحتمالات. لقد وجدت الولايات المتحدة نفسها في مواجهة الإرهاب فجأة ودون مقدمات عشية هجمات الحادي عشر من سبتمبر. لم تكن تعرف علي وجه اليقين من هم الإرهابيون ؟ ولا أين يوجدون ؟ وما هي أفكارهم ومن أين يأتون بمثل تلك الأفكار؟ تحركت الترسانة العسكرية الأمريكية في استعراض للقوة بغير دراسة ولا رؤية فجاءت الأخطاء واحدا تلو الآخر. بعد تلك السنوات أصبحت الأخطاء أكثر وضوحا, وبات التصحيح أكثر من ضروري لحماية المصالح الأمريكية والعالم من حولها. وليس هناك مناص من أن تدرس الولايات المتحدة الظاهرة بعمق ورؤية وموضوعية, بعيدا عن كيل الاتهامات للإسلام والمسلمين جميعا.
كانت مصر حين بدأت الولايات المتحدة حربها ضد الإرهاب تكاد تجني ثمار سنوات النجاح وفق منهجية شاملة ورؤية عميقة لجذور التطرف والإرهاب. وربما كانت التجربة المصرية في مواجهة الإرهاب والتطرف واحدة من أنجح التجارب التي يمكن أن تثري المعرفة الأمريكية, وآن الأوان أن تسترجع الولايات المتحدة النصائح. التي خرجت من مصر ومن الرئيس مبارك علي وجه التحديد بشأن تداعيات السياسة الأمريكية, وتأثيراتها علي التطرف والإرهاب معا.
ربما تختلف التجربة المصرية عن التجربة الأمريكية, في مواجهة الإرهاب في بعض جوانبه. فالأولي واجهت إرهابا في الداخل والأخري نشرت أدواتها لمواجهة إرهاب عالمي عابر للحدود. ولكن ما واجهته مصر من إرهاب كان يستمد أفكاره وتمويله وخططه من خارج الحدود أيضا. وهنا تصلح التجربة المصرية من حيث المنهج للتطبيق في أماكن مختلفة من العالم. فالإرهاب لم يكن ولن يكون ظاهرة محلية بطبيعته.
فمن الخطأ تمييز الإرهاب بدين أو منطقة أو جنس بعينه. ومن الخطأ القول أن ما يصلح للمواجهة في منطقة قد لايصلح في منطقة أخري. وهذا يؤدي بنا إلي حقيقة لابد من الاعتراف بها, وهي أن السياسات. التي دفعت بالتجربة المصرية نحو الأمان والنجاح, يمكن أن تقيل عثرة التجربة الأمريكية. التي لاتزال تواجه مشكلات كثيرة في حربها علي الإرهاب.
حينما تولي الرئيس مبارك المسئولية, لم تكن مصر قد تعافت كلية من صدمة اغتيال الرئيس السادات بيد الإرهاب الأسود. ووجد الرئيس أمامه تحديا غير مسبوق في تاريخ الدولة المصرية. كان اغتيال الرئيس السادات في يوم السادس من أكتوبر صدمة لاتقل في قوتها عن صدمة الأمريكيين في انهيار مركز التجارة العالمي علي يد الإرهاب. ولكن مبارك أدرك منذ اللحظة الأولي طبيعة العدو الذي يواجهه وطبيعة المعركة, التي سوف يخوضها. أدرك مبارك أن ما يواجهه مرض ناتج عن مشكلات هي أولي بالعلاج والمواجهة. تحددت المواجهة في التجربة المصرية في تجفيف منابع التطرف الذي يتحول بعضه إلي إرهاب ويوفر بعضه الآخر مناخا مواتيا للمزيد من الأعمال الإرهابية.
لم تبدأ مصر المواجهة ردا علي اغتيال الرئيس السادات فحسب ولكنها أدركت ان جريمة الاغتيال ليست سوي مقدمة, أعلن بها الإرهابيون عن توجهاتهم وخططهم المستقبلية وطبيعة تحركاتهم. ومن هنا بدأ التحرك المصري علي مختلف الجبهات لمحاصرة ظاهرة التطرف المتشعبة.
في مقابل التجربة المصرية بدأت التجربة الأمريكية بصدمة سقوط مركز التجارة العالمي. وكان رد الفعل السريع هو محور التحرك الأمريكي. بدأت المواجهة بافتراض أن الإرهاب جيش يسكن أرضا معروفة يمكن مواجهته عسكريا, وإلحاق الهزيمة به, واستئصال وجوده بعد معركة كانت بكل الاحتمالات محسومة للجانب الأمريكي. وهنا بدأ مسلسل الأخطاء الأمريكية في ظل أهداف غامضة, غير واضحة, وغير محددة, وفهم يفتقر إلي الواقعية ورؤية مشوشة استمدت ملامحها من الرغبة في الانتقام. وفي النهاية وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقف سهل عليها فيه إشعال الحروب وصعب عليها فيما بعد وضع نهاية لها.
خرجت مصر بعد سنوات قليلة وقد تمكنت من محاصرة الإرهاب وتعطيل الكثير من أدواته. بينما وجدت الولايات المتحدة نفسها في مستنقع لم تستطع حتي الآن الخروج منه, برغم القدرات العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية الهائلة المتوافرة للدولة الأقوي في العالم. كانت مصر تعرف كثيرا من الذي تواجهه ولكن الولايات المتحدة افتقرت إلي القدرة علي تحديد ذلك الذي حشدت من أجله الجيوش. نثرت الولايات المتحدة الاتهامات في وجه المسلمين جميعا وشجعت كثيرين علي النيل من الدين الحنيف فاضافت إلي أعدائها المزيد من غير الإرهابيين وغير المتطرفين.
لم يكن العامل الأمني ـ برغم أهميته ـ هو العامل الرئيسي في المواجهة المصرية ونجاحها, بل وجد العامل الأمني في الرؤية السياسية والفكرية دعما لجهوده. كان للعامل الأمني دوره وسوف نظل نذكر تضحيات رجال الأمن ضباطا وجنودا في استعادة الأمان الذي فقدناه. بل إن العامل الأمني لم يقف عند حدود استخدام القوة في المواجهة, ولكنه تمكن من العمل مع مختلف فئات المجتمع, في محاصرة الجماعات, التي رفعت السلاح عدوانا علي المجتمع وتمكن من عزلها وتضييق الخناق عليها ودفعها إلي التراجع وليس فقط إنزال الهزيمة بها.
لم تخرج قوات الأمن المصرية في مواجهة الإرهابيين باعتقاد قتل من حمل السلاح وخرج علي المجتمع, ولكنها مع غيرها كانت تعلم أن أرض المعركة أوسع من موقع تحصن فيه بعض الإرهابيين, وأن عدتهم تتجاوز ما في أيديهم من اسلحة. كانت قوات الأمن تعمل في إطار منظومة متكاملة, ووفق رؤية محددة هي محاصرة الظاهرة واستئصالها وتجفيف منابعها.
هنا نجحت التجربة المصرية التي استطاعت أن تبني إجماعا متينا بين فئات المجتمع علي ضرورة التخلص من تلك الظاهرة ومنع ظهورها مرة أخري. ولذلك وجدت جهود الدولة المصرية, في هذا الشأن دعما من كل الفئات في المجتمع أزعم أنه لم يتوافر لأي تجربة أخري في العالم في مواجهة الإرهاب.
لقد دفعت التجربة المصرية العديد من الجماعات الإرهابية إلي شيء لم يحدث في حرب العالم علي الإرهاب. لم تتراجع تلك الجماعات عن أعمال العنف فحسب ولكنها اختارت طواعية أن تراجع أفكارها ومواقفها, ولاتزال تلك المراجعات مستمرة حتي الآن شاهدا علي ثراء تجربة مصر في مكافحة الإرهاب.
فالمراجعات الفكرية, التي قامت بها بعض الجماعات, تمثل انتصارا لرؤية متكاملة واجهت علي كل المستويات ظاهرة هي الأسوأ في التاريخ. لقد أحدثت التجربة المصرية صدعا في البناء الفكري لجماعات التطرف وهو تطور بالغ الأهمية في مواجهة تلك الأفكار الشاذة والغريبة علي صحيح الدين, التي أهملت زمنا طويلا دون نقاش أو مواجهة, بل وجدت من يروج لها باعتبارها من دواعي الإيمان.
وفي مقابل التجربة المصرية اختزلت التجربة الأمريكية جهودها في القوة العسكرية والحرب المسلحة. هذا الخيار العسكري أفقد الولايات المتحدة كثيرا من التعاطف العالمي, الذي بدا قويا عقب. أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لم تنتبه الإدارة الأمريكية إلي مغزي تراجع التعاطف العالمي, وتحوله تدريجيا إلي قلق وتوتر جراء المسلك الامريكي في مواجهة الإرهاب ثم إلي الاستياء والسخط في أعقاب غزو العراق.
وكذلك خسرت الإدارة الامريكية قلوب المسلمين وعقولهم التي تعاطفت مع الموقف الامريكي عقب هجمات11 سبتمبر, وكان المسلمون, أقرب إلي التحالف مع الأمريكيين في مواجهة العدو الذي نشر الرعب في أوطانهم واساء إلي دينهم إساءة غير مسبوقة في التاريخ الحديث. خلطت الإدارة الأمريكية الأوراق وأعلنت العداء للإسلام والمسلمين, وأغرت بعض متطرفيها بالنيل من الجميع.
فوجد المسلمون أنفسهم ـ وفقا لتعريف الإدارة الأمريكية ـ في دائرة العداء والاتهام. وعلي الرغم من أن بعض العقلاء الامريكيين حذروا الإدارة الأمركية من هذا التوجه فإن الأوهام الأيديولوجية السائدة في الإدارة الأمريكية لم تنتبه ولم تستجب.
كان علي الأمريكيين أن يدركوا أنهم يجب أن يجففوا منابع الإرهاب.. وأن يعترفوا بأخطائهم, التي مهدت لتزايد وجود الجماعات الإرهابية باستئصال مسبباته, فقد تغذي التطرف علي قضية فلسطين, التي استمرت بعد الحرب العالمية الثانية بلا حل, كان يجب أن يبدأوا بسرعة حلها ومنح شعبها حق تقرير المصير, فإذا بشعوب الشرق الأوسط والمنطقة العربية, تصبح مسرحا للحروب, وهو المناخ المثالي لنمو وتزايد الإرهابيين, وتعاقب أجيالهم. وبدلا من أن تجد الدول والشعوب العربية, ومنها مصر, مساعدة من المجتمع الدولي والولايات المتحدة في مواجهة الإرهاب والتطرف.. إذا بالسياسة الأمريكية وحروبها تصبح مدعاة لتزايد المناخ المتوتر والمضطرب صانع الإرهاب
وأصبحت هناك قضيتان.. فلسطين والعراق وملفات مفتوحة للتوتر والإرهاب والحروب في أفغانستان وباكستان والملف الإيراني الذي هو مدعاة لتساؤلات إقليمية مخيفة ومخاوف عديدة لانتقال التوتر وتزايد رياح التطرف والمخاوف ليس بين الشرق والغرب أو بين الأديان والحضارات المختلفة وحدها, ولكنها فتحت أبوابا قديمة كانت قد أغلقت منذ سنوات لحروب وتوترات بين المذاهب.
واختلطت حروب الأديان بالطوائف والمذاهب وأصبحت منطقتنا العربية, بل ومنطقة الشرق الأوسط في مهب رياح الحروب والتطرف, وهو ما يجعل المسئولية الكاملة ترجع إلي أخطاء السياسة الأمريكية ومنهجها في معالجة مسببات الإرهاب وتداعياته.
وبدلا من أن يفهم الأمريكيون السياسة المصرية بعمق التي بدأت في صنع السلام الإقليمي واعتباره خيارا وحلا للمشاكل والأزمات, التي اكتنفت المنطقة العربية وعمقت المخاوف بين شعوبها والغرب عقب قيام إسرائيل علي حساب الشعوب العربية وضربت عرض الحائط بحقوق الفلسطينيين, وجدنا الجانب الأقوي يفتح جروحا قديمة, ويعمق الأزمات ويزيد التوترات, وينفخ في نيران التطرف, ويفتح جبهات للحروب ويعطي المزايا للمتطرفين والإرهابيين, الذين لا ينتعشون ولا يقوون إلا في مناخ الحروب وتأجيج العداوات.
نحن علي أعتاب مرحلة جديدة في السياسة الأمريكية عليها أن تختار بين الاستمرار في السياسة الحالية بكل ما تنطوي عليه من أخطار, وأن تراجع سنوات الفشل وتجارب الماضي القريب, وتدرس بعمق تجارب الآخرين لتستعيد الولايات المتحدة شيئا من الأمن والاستقرار في علاقاتها الخارجية وأوضاعها الداخلية.
فمازلت أؤمن بأن القدرات الأمريكية علي مواجهة الإرهاب وفق منهجية لاتستند إلي القوة وأوهامها أكثر تأثيرا من اللجوء المستمر للترسانة المسلحة. بل إن الولايات المتحدة وفق منهجية أكثر عقلانية وشمولية يمكن أن تفيد كثيرين في مواجهة التطرف ومحاصرة الإرهاب.

