بعض التصريحات السياسية التي ترددت في أجواء لبنان خلال الأيام القليلة الماضية يمكن وضعها في خانة المضحك المبكي أو من عجائب الدنيا، خصوصا ما يتعلق منها بالتوترات الدامية التي شهدتها أكثر من منطقة لبنانية . مختصر تلك التصريحات ما هو مفاده «أن التوتر والعنف الدمويين سيلازمان الحياة اليومية للشعب اللبناني طالما أن التوافق السياسي بين الأطراف المعنية لا يزال غائبا».
وقد بدا لي، بأن أصحاب هذا الكلام وهم في الغالب من السياسيين الفاعلين في المعادلة اللبنانية، يريدون من خلال هذه الفصاحة أن يفتخروا بقدرتهم على التأثير بحركة العنف بشتى أشكاله، وبالتالي يريدون أن يرسّخوا في أذهاننا ما بتنا نعرفه منذ زمن بعيد بخصوص التذابح الطائفي والمذهبي اللبناني، وهو أن هؤلاء المنطلقين اليوم في زوبعة التصالح وتقبيل اللحى هم في واقع الأمر مسئولون بشكل رئيسي عن حالة التشرذم التي يعيشها الوطن. وقد استخدمتً هنا عن قصد كلمة «التذابح» لا الصراع بين الأطراف ، آخذا بعين الاعتبار أن الصراع قد يكون في بعض الأحيان فعلا متحضّرا ومكمّلا للأفعال الأخرى التي تتميّز بها المجتمعات الديمقراطية، في حين أن ما نشهده في لبنان منذ زمن بعيد هو تذابح حقيقي تخف وتيرته وتقوى وفق الظروف والمعطيات التاريخية والسياسية.
الفريد في تلك التصريحات هو أنها تنقل إلينا فكرة خطيرة عن واقع الحال اللبناني، مفاده أن الأطراف المتورطة في الصراع السياسي، هي نفسها المتورطة في إشاعة الفتن والتوتر الدموي. وهي بطبيعة الحال فكرة جهنمية ترددنا كثيرا قبل أن نقتنع بها، لكن صدورها عن مسئولين كبار بغض النظر عن مقصودهم منها، سهّل عملية الاقتناع بها بدرجة كبيرة وهذا أمر مؤلم فعلا.
فهل هو الحس الوطني الحقيقي الذي دعا بهؤلاء للتعبير بصراحة جارحة عن مكنونات أنفسهم، أم أنها لغة التهديد التي تعوّدنا على سماعها منذ زمن بعيد؟
شخصيا أسمح لنفسي بالانطلاق من الجو التفاؤلي السائد حاليا في لبنان، لأعتقد بأن الخيار الأول، أي الحس الوطني، هو الذي دعا بهؤلاء لإرسال مثل هذه الإشارة. ولأن الأهداف واضحة ونبيلة، كان حري بهؤلاء المسئولين أن يوضحوا للرأي العام من هي تلك القوى المتورطة في تأجيج العنف والإشكالات الأمنية، فالتعرية قد تكون مفيدة أحيانا، لأن تعريض الجسد لأشعة الشمس ينظّفه وينعش مكوّناته، كما ويبعد عنه الطفيليات الدخيلة.
وفي أتون الصراع المستجد أطلت علينا أيضا الخيارات المتعددة حول كيفية إعادة اللحمة لأبناء الوطن، فبرزت في هذا السياق فكرة جديدة من نفس النمط المضحك المبكي الذي لا يوجد على ما يبدو إلا في لبنان، والذي يتمثل في ما نشهده حاليا من حشد للطاقات الوطنية بهدف تنظيف العاصمة والمناطق الأخرى من الصور والشعارات الحزبية والمذهبية .
فلقد ثبت حسب تعبير «المتورطين» في هذه الحملة، بأن تلك الصور مسئولة بشكل كبير عن تأجيج الكراهية بين أبناء الشعب الواحد، وأن إزالتها سيساهم في تحقيق أجواء المصالحة وتاليا إعادة اللحمة بين أبناء الحي والشارع الواحد.
من جهتي أقول بأن إزالة الشعارات والصور هو مفيد حتما للطبيعة ومحافظ على البيئة النظيفة، كما أنه مساهم في تجميل الشوارع والساحات وتلميع الجدران والدساكر وما شابه. لكن من جهة أخرى، فأنني أرى في ذلك للأسف بُعدا أكثر خطورة من مجرد حركة تنظيف، يتمثل في المستوى المنخفض الذي وصلت إليه الحلول السياسية المعروضة على المواطن لحل مشاكله المتأصلة في النفوس.
ويبدو من خلال ما نسمعه، بأن القائمين على هذه الحملة من الحزبيين وليس من السياسيين الإداريين الذين نتمنى لهم النجاح في عملهم، يريدون من خلال أفكارهم التنظيفية هذه تجريد أنفسهم من أية مسئولية، وتحميل كل الشوائب الأخرى للمواطن المتقوقع في شارعه البسيط، والمتمترس وراء شعارات تربى عليها منذ نعومة أظفاره بسبب الأوضاع الاجتماعية والنفسية التي فرضت عليه فرضا من قبل أصحاب القرار والنفوذ.
بكل بساطة، المسئول عن حالة التشرذم التي وصل إليها الوطن هم هؤلاء الحزبيون والطوائفيون الذين تعاقبوا على تمزيقه من خلال نشر الفتنة بين أبناء الشعب، والذين أبوا منذ زمن بعيد إلا أن يربّوا أبناءهم على الضغينة والأحقاد بشتى أنواعها، متناسين في هذا السياق ذرع بذور الحب والولاء للوطن الموحد، الحاضن بلا شك لجميع أبنائه دون استثناء.
هؤلاء كانوا في كل يوم يمارسون الشحن المذهبي والعقائدي معتقدين واهمين بأنهم الوطنيين الفعليين، وكانوا ولا يزالون يحشرون أهدافهم في مصالح طائفية ضيقة، متناسين بكل وقاحة مصالح المواطنين ككل، وهم من كانوا يعبئون ويحرضون، ويربّون أجيالا تابعة لا شبابا خلاّقا ومبدعا قادرا على اجتراح المعجزات الحقيقية.
إذا، فالمطلوب في الوقت الحاضر بالإضافة لتنظيف الشوارع والجدران بالطبع، هو وضع خطة استراتيجية حقيقية لتنظيف النفوس من الشوائب الكثيرة التي تراكمت فيها على مر العصور. هذه الاستراتيجية يجب أن تشمل بطبيعة الحال كافة السياسيين والحزبيين وأقطاب الطوائف بشتى تفرعاتهم، لأنها ستساعدهم لاحقا على إحداث ثورة حقيقية في كيفية تعاطيهم مع الوطن والمواطن، ولربما ساعدتهم أيضا على التأثير في الجمهور اللبناني الأوسع، لا في هذا الشارع أو ذاك.
إن المصلحة الحقيقية للبنان تتمثل بالتحرر من منطق «الساحة» و«الشارع» والانتقال إلى منطق الدولة. وهذا هو فعلا التحدي الحقيقي حاليا بعد كل التحديات الخطيرة والكثيرة والتي تمكن البعض من إدراكها ومواجهتها بكل بسالة.
تحرير النفوس حاجة ملحة وضرورية، بل ركن أساسي من عملية بناء الدولة. ومن يصر على التقوقع في غياهب مصالحه الضيقة وجب عليه الانسحاب إلى موقعه الحقيقي، لأنه لن يكون له أي مكان تحت نور الشمس الساطعة.
كاتب لبناني

