توقع العالم المحصن أمنيا بالانتظارات القائمة والمفاجآت الممكنة في عالم بدأ الإرهاب يستهدف في كل لحظة حياتنا، وبأن يستيقظ هنا أو هناك على دوي انفجارات أو عملية إرهابية كبيرة أو حتى صغيرة الحجم لم تنجح في مهماتها. السؤال ليس في الإخفاق أو النجاح في الانتصارات العابرة للطرفين الضحية والمجرم وإنما الأهم ماذا لو تم تنفيذ عملية الهجوم على السفارة الأميركية في صنعاء بنجاح؟

خاصة وإننا ما زلنا نعد تواريخ ويوميات شهر سبتمبر «الأسود العظيم!» كيف سيلقى نجاح تلك العملية التيار الإرهابي والأصولي المتشدد؟ دون حاجة للبحث عن الإجابة سيشعر الأنصار والمؤيدون والصامتون منهم والأبرار بالفخر!!

فمثل ذلك الحادث انتصار للمسلمين في كافة أنحاء العالم وفق منظورهم، وان من نفذوه في شهر رمضان المبارك ليسوا إلا حفنة جهادية مباركة يظلها الله بظلاله يوم القيامة فهم خيرة المسلمين وجهادها الأكبر على الأرض. بتلك اللغة الموبوءة في الدعاية والتحريض من منابر مواقع الانترنيت التي تم ضبطها قبل أسابيع في المملكة العربية السعودية، فمن خلال التقنيات الحديثة يتم تبادل الشفرات، ومن خلالها تنسج خطط الموت والذبح كما هو توقيع احدهم باسم «الذباح» أو زعيم الذباحين، والأدهى من ذلك أنهم يستلهمون دعايتهم المقيتة من واقع الحدث الديني كشهر رمضان، وربطه بأعمال إرهابية باتت منبوذة من غالبية الناس في العالمين العربي والإسلامي وغيره.

سواء حدثت في مجتمعها أو خارجه، إذ لا يجدون من يقف في نصرتهم كما هو قبل عقدين، باستثناء تلك الجماعات المتخفية خلف مظاهر الدين ومفردات الإسلام وإباحة الفتوى، فهؤلاء «الطلبة والمعلمون» لن يردعهم لا إرشاد ولا تأهيل ولا غسل دماغهم، فقد ترسخ في قاعهم شعورا وفكرا مسلما به دون مناقشة، فهم أصبحوا يرددون المفردات نفسها والصياغات ذاتها والنهج ذاته.

من اغتالوا جنود وشرطة يمنيين وناساً مدنيين برهنوا أنهم غير قادرين على الوصول إلى أهدافهم بالسهولة السابقة، بل وبرهنوا أيضا على قدرتهم التنظيمية في التخطيط لاصطياد أهداف أميركية حيوية، فعجز التنظيم وخلاياه في اختراق تلك المواقع الحيوية.

وعجز عن تجميع معلومات وافية عن حركة الأشخاص والمساكن والاتصالات الأميركية في اليمن، مما يدلل على ضحالة وهشاشة القواعد والخلايا المتناثرة في ربوع اليمن، وكل ما وجدوه أمامهم هو مبنى السفارة الذي لم يحسبوا تحصيناته الكاملة، متناسين أن كثافة الرقابة قد تزايدت في الصيف نتيجة تلقى السفارات تهديدات رعناء بالهجوم عليها في مناطق الخليج والجزيرة العربية.

ولكن المهاجمين ولا من دفعهم لذلك كان يهمهم تلك النتائج المخيبة، فعلى الأقل أرادوا تحقيق احد الأهداف التي مفادها :«إننا سنطارد الأهداف الأميركية والغربية وحلفاءهم أينما يكونون وكيفما استطعنا». الانتحاريون والجهاديون «الجدد» يحاولون بقوة وكثافة استعادة هيبتهم ومكانتهم وتأثيرهم في الشارع الإسلامي والشعبي، فشعورهم بالحصار والملاحقة والضربات المتتالية منذ أحداث سبتمبر وضعتهم في حالة تراجع وتفكير يائس. وأخيرا لإبلاغ رسالتهم للعالم إن الفكر السلفي ونهجه الإرهابي لا يمكنه التوقف حتى وان تقلصت قدراته التنظيمية الفعالة «فيكفي أن نثير زوبعة من الأصوات الإعلامية العالية» فللبطولة اليوم وجوه إعلامية أكثر من فاعلية محققة.

وبما أن التنظيمات والأفضل أن نسميها «الحلقات الجهادية الإسلامية» ما عادت هيكلا تنظيميا رصينا ومنظما تنظيما محكما في علاقاته اللوجستية والإمكانيات المالية الكبيرة وغيرها من الوسائل الضرورية لأية بنية تنظيمية قوية، وإنما ما نراه اليوم هي مجموعة حلقات صغيرة انخرط فيها الشباب المحبط، بعد أن سقطوا في قراءة تلك النصوص الغامضة في تأويلاتها وتفسيراتها.

والتي في نهايتها تدفع لحالتي التكفير والجهاد، وكلاهما ينبغي أن يقود في النهاية إلى مقاومة الآخر بأفعال الانتحار والتفجير، وهي مسألة لا تحتاج إلى تنظيم واسع وكبير، وإنما حلقات سرية صغيرة، يتم تدريبها بسرعة في واد ناء أو كهوف بعيدة من الصعب وصول الأمن إليها.

وفي نموذج مجتمع يمني، يتميز بكثافة سكانية وبيئة مركبة بقيم تقليدية وقبلية متداخلة وبثقافة متشبعة بالأمية والفقر، فإن اصطياد الشبيبة القادمة من تلك البيئة يصبح أمرا سهلا، هذا إذا ما أضفنا الإمكانيات المحدودة للأمن وقدراته في تتبع تلك الحلقات واختراقها - وعادة يسهل للأمن اختراق التنظيمات من قدرته على اختراق حلقات منعزلة - فكلما نجح في اختراق حلقة صغيرة أصبح من الصعب عليه التوصل إلى مجموعة أخرى، لهذا لا يجد الأمن في مثل هذه الحالات إلا البحث عن ملفات قديمة وأسماء ربما لن تكون مجزية لكونها باتت معزولة لشعورها بالمراقبة والانكشاف.

ما يفعله الأمن العاجز هو العودة للأرشيف فربما يسعفه ذلك لإسكات الشارع، وربما يحفر في الماء، غير أن الجهات المعنية بالحدث كالسفارة الأميركية لا يقنعها دائما مثل تلك الإجراءات مما يدفعها لإجراء تحقيق بنفسها مع أفراد ملفاتهم محروقة، ولكن يبقى للأمن الأميركي تقنيته ونهجه الأكثر قدرة من الجهاز الأمني اليمني، ولكن من جهة أخرى يبقى جهازا أميركيا يفتقد لفهمه للبيئة اليمنية وتعقيداتها الدائمة ففي اليمن تتعايشان معا الطيبة وثقافة الخنجر وكل ألوان التناقض.

ما قاله اليمنيون هو عين الحقيقة عن إن الإرهاب صار ظاهرة عالمية، ووحدهم لن يكونوا قادرين امنيا على ضبط تلك الأعمال الإرهابية. لقد باتت صنعاء مدينة مفتوحة، للإرهابيين، بل وصارت كل حدود اليمن المائية واليابسة منها مفتوحة، فمن يقرأ عن قدرة قراصنة الصومال في الهجوم على خلق الله بتلك السهولة يدرك كيف بإمكانهم أيضا إيواء الهاربين من اليمن إليها، ففي الصومال هناك مدن مفتوحة وعالم أكثر استباحة للقراصنة الجدد وتجار الأسلحة والتهريب. ليعذرنا الكاتب اليمني محمد عبد المولى، بان نستعير عنوان روايته فهو وحده ترك لنا تعبيرا دلاليا ثريا عن مدينته المستباحة والمفتوحة، ولكن هذه المرة من الإرهاب المتنوع.

كاتب بحريني

baderabdulmalek@yahoo.com