مع افتتاح الدورة الثالثة والستين للجمعية العمومية للأمم المتحدة، اليوم، تعود المنظمة الدولية إلى دائرة الضوء؛ ليس فقط كأهم وأوسع منتدى دولي، بل أيضاً وبالدرجة الأولى كوظيفة ودور لحفظ السلم والأمن الدوليين. الشق الأول تحقق باستمرار وعلى أفضل ما يكون.
منذ انعقاد الدورة الأولى، عام 1945 وحتى اليوم، كانت هذه المناسبة فرصة لأوسع لقاءات، ثنائية وإقليمية ودولية؛ للتباحث في العلاقات والقضايا والشؤون التي تنضوي تحت ميثاق المنظمة. وكان لذلك، في معظم الأحيان، أثره في تخفيف حدّة التوتر والتوصل إلى تسويات وصيغ وسطية للنزاعات.
الدورة كانت وما زالت لحظة تواصل وجهاً لوجه، بين مختلف القيادات وصنّاع القرار في العالم؛ الذين يحرصون على قضاء هذا الأسبوع في مقرّ البيت الدولي والمشاركة في جلسات أعماله. حضورهم تظاهرة دبلوماسية دولية، مطلوبة ومفيدة، لكن هذا الجانب، على أهميته، ليس سوى الإطار.
الغاية من وجود الأمم المتحدة، لا أن تكون أو تتحوّل إلى ندوة، فقط. علّة وجودها، أن تكون المرجعية النهائية التي يجري الاحتكام إليها لفضّ النزاعات بصورة سلمية، وبالتالي تلافي الحروب والمواجهات العسكرية. هذا الدور المنوط بها، من خلال أهم وأقوى مؤسساتها، مجلس الأمن الدولي، تآكل وكاد أن يتلاشى عملياً. في أحسن أحواله، صار شاحب اللون ومشلول الفعالية. تركيبة المجلس، لناحية الامتيازات التي نالها الكبار بحكم نتائج الحرب الثانية وموازينها، جعلته رهينة لمشيئتها وصراعاتها. كانت الحصيلة، إما التعطيل وإما التجيير.
وحتى عندما كانت تصدر قرارات عن المجلس، كان يجري تجميدها. العديد منها صدر ضدّ إسرائيل، واشنطن كانت ولا تزال، تحول دون تنفيذه. وفي فترة ما بعد الحرب الباردة تدهورت الأمور من التعطيل إلى الاستخفاف بالأمم المتحدة والاستقواء عليها. الولايات المتحدة، أخذت تمتنع عن تسديد المتوجب السنوي عليها، للمنظمة.
استمرت ترفض وتتأخر في دفع حصتها، حتى صار المبلغ بمئات الملايين. ثم بدأت تضع الشروط المسبقة، للتسديد وبالتقسيط. ومع مجيء إدارة بوش، استمر الاستهتار يتفاقم، من خلال رفض الانضمام إلى اتفاقيات دولية مهمة، حصلت تحت رعاية الأمم المتحدة، من اتفاقية «كيوتو» المناخية، إلى اتفاقية منع استخدام الألغام الأرضية، ثم المحكمة الجنائية الدولية..
وأخيراً بلغ هذا التوجّه حدّ الاستباحة والقفز فوق الأمم المتحدة على المكشوف، في غزو العراق. النتيجة لهذه المسيرة ولما يشبه شطب المنظمة الدولية، كانت حالة الفلتان الذي تتبدّى مظاهره بأشكال مختلفة، في عموم الساحة الدولية؛ وبما ينذر بالأدهى والأعظم.
الأمم المتحدة صارت وظيفتها باهتة. الشطط وتفرد بعض الكبار واستئثارهم، كله أدّى إلى إضعاف دورها. العلة في بنية مؤسساتها التي لم تعد تتلاءم مع معطيات الوقت الراهن، خاصة تركيبة مجلس الأمن. إعادة النظر فيها لتصبح متوازنة التمثيل ومتقلصة الامتيازات، ضرورة لا غنى عنها، بقدر ما انه لا غنى ولا بديل عن تمكين هذا البيت الدولي وتجديده.
