من الواضح على امتداد الاسابيع الاخيرة ان هناك موجة جديدة مما يمكن تسميته بالعنف الاعمى، او بالاحرى عمليات الارهاب التي تستهدف المدنيين الابرياء وعلى نطاق واسع ودون اعتبار لأية تقاليد أو اعراف أو مناسبات لها اهميتها وخصوصيتها الدينية عندكافة الدول والشعوب الاسلامية.

فمن العراق الى باكستان وأفغانستان، الى اليمن ولبنان وصولا الى دول المغرب العربى، مرورا بالصومال والسودان ـــ دارفور ـــ يكشف العنف الاعمى عن وجهه القبيح عبر عمليات تفجير وقتل واغتيالات ومواجهات مسلحة يروح ضحيتها فقط عشرات الابرياء من المدنيين من شعوب هذه الدول العربية والاسلامية، وبدون ان تتحقق اية نتائج اخرى ملموسة على هذا الصعيد او ذاك حيث يأمل مرتكبوا، او محركوا جحافل العنف والارهاب على امتداد المنطقة والذين لن تثنيهم ايام شهر رمضان الفضيل عن ارتكاب تلك المذابح في حق اخوانهم العرب والمسلمين.

نعم هناك مشكلات وخلافات وتواجد لقوات اجنبية، كما ان هناك صراعات معلنة ومستترة، وهناك قوى تريد ان تؤكد وجودها ولو بقتل الابرياء وبازهاق ارواحهم، ولكن الواضح حتى الان على الاقل ان القوى التي يقال انها مستهدفة بعمليات العنف والارهاب تلك لم تتأثر، ولا تتأثر سوى في اقل القليل منها. وهو ما تشير اليه نتائج كل عمليات العنف والتفجيرات التي حدثت في الايام الاخيرة في عدد من دول المنطقة.

وعلى ذلك فإن النتيجة الوحيدة لمثل هذه العمليات التي لا يمكن ان تقرها أية شرائع أو نواميس أو قيم دينية أو خلقية، هي اظهار العالم الاسلامي في أسوأ صورة، فالتفجيرات وأعمال العنف الاعمى تكاد تتركز فيه.

ومن المؤكد ان لذلك نتائجه وتأثيراته في تعامل الدول والقوى الاخرى معه، وعلى مواقفها من قضاياه سياسية كانت أو اقتصادية أو مالية أو غيرها، هذا فضلا عن ان انتشار واتساع أعمال العنف الاعمى تلك تسهل من ادعاءات ومزاعم البعض الذين يربطون بين الدين الاسلامي الحنيف وبين العنف. وبذلك يخدم هؤلاء هذه الطروحات العدائية ضد الاسلام وضد كثير من قضايا الشعوب العربية والاسلامية.

ومع الوضع في الاعتبار ان اشتداد موجة العنف الحالية وانتشارها على مساحة واسعة يمكن ان تؤثر على نحو أو آخر في معارك انتخابية جارية أو في مواقف اطراف سياسية جديدة تسعى لشغل مناصبها هنا أو هناك، باستغلال مقولة ان التهديدات الارهابية لاتزال قائمة وانها- اي تلك التهديدات - لم تنته بعد.

الا انه بات من الواضح والضروري ايضا ان تسعى مختلف الاطراف الاقليمية والدولية من أجل بذل مزيد من الجهود، ومن اجل مزيد من التنسيق وحتى تبادل المعلومات فيما بينها حول التهديدات الارهابية حتى يمكنها اجهاض تلك الاعمال قبل ان تقع وتحدث تلك الخسائر الفادحة في أرواح الابرياء من اطفال ونساء وشيوخ لاعلاقة لهم على أي نحو بما يزعمه مرتكبوا هذه الاعمال البشعة.

على أية حال فإنه يمكن القول بأن المنطقة العربية والعالم الاسلامي ككل يمر بمحنة كبيرة، متعددة الابعاد والمستويات، وما موجات العنف الاعمى التي تتتابع على امتداده سوى مظهر، أو عرض لما يعانيه من مشكلات واحباطات تطحن الملايين من أبنائه. ومع ذلك يظل الامل معقودا ومعلقا على القيادات وعلى النخبة الواعية لتقوم بدورها في الاخذ بيد هذه المجتمعات لاخراج المنطقة من النفق المظلم الذي تعيش فيه.

وعندما تشرع ابواب الامل في حياة افضل، وعندما يتم التصدي للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تطحن الملايين، عندئذ سيتوارى العنف وينفتح الطريق للحوار لحل مختلف القضايا والمشكلات، خاصة وان التجربة اثبتت دوما ان العنف لا يمكنه حل أية مشكلة. اما الطريق الى ذلك فإنه بالقطع هو طريق التعاون بين كل الاطراف المعنية. فهل يتحقق ذلك ؟