تجمع جملة من الاعترافات والشهادات الإسرائيلية المتتابعة في الآونة الأخيرة، على تفاقم حالة القلق والرعب مما يطلقون عليه «انكشاف الجبهة الداخلية أمام الصواريخ»، التي يمكن أن نطلق عليها بدورنا كما برهنت حرب تموز 2006 «البطن الإسرائيلية الرخوة».
ففي حربها على لبنان، اعتمدت المؤسسة الحربية الإسرائيلية ذات المفاهيم المستندة إلى بلطجة القوة والعربدة العسكرية بكافة تطبيقاتها وترجماتها على الأرض، على شكل عمليات القصف الجوي التدميري المكثف، ما تسبّب في تدمير قرى لبنانية كاملة ومحوها عن وجه الأرض وتدمير أحياء كاملة في العاصمة بيروت.
إضافة إلى استهداف كافة عناوين البنية التحتية اللبنانية من طرق وجسور وشبكات مياه وكهرباء وغيرها، وكأنّ الجبروت الإسرائيلي أراد أن يقول للبنانيين وللشعوب العربية أيضاً: «هذا مصير مَن يحاول المس بإسرائيل.. هذا هو الثمن...».
ولكن عمليا، على الأرض وفي ميادين المواجهة والقتال هناك، لم تسر الرياح كما تشتهي المؤسسة الحربية الإسرائيلية، على الرغم من أن إسرائيل رمت بثقلها الحربي المعروف في هذه المعارك المتدحرجة، وانقلبت الأمور رأسا على عقب وسقطت نظريات ومفاهيم حربية، كما سقطت أهداف وآمال وتطلعات سياسية واستراتيجية إسرائيلية، لم تأت في حساباتهم على الإطلاق.
غصّت الصحف الإسرائيلية آنذاك بكم كبير من المقالات والتحليلات التي أجمعت على أن «إسرائيل لم تتوقع»، وفي صحيفة معاريف (20/ 8/ 2006) كتب يونتان شم - أور يقول معلقا على تأثير الصواريخ التي ضربت العمق الإسرائيلي: «يعرفون الآن ما الذي يفعلونه، يعرفون الآن كيف يهزموننا».
وربما تكون تلك التصريحات التي أدلى بها يوفال ديسكين، رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) سابقا للقناة التلفزيونية الثانية يوم 24/ 8/ 2006 الأهم والأبرز والأخطر على صعيد الاعترافات الإسرائيلية، إذ صرح قائلا: «إن أجهزة السلطة قد انهارت بشكل مطلق أثناء الحرب، وأنه يجب الاعتراف بذلك، فالجمهور يرى».
وما بين ذلك الرعب الذي اجتاح المجتمع الإسرائيلي بفعل الهزيمة في لبنان وبفعل ضرب الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وما بين اليوم ونحن في الربع الأخير من عام 2008، يمكن القول إن هواجس الرعب والقلق من ضرب وتدمير العمق ـ بمعنى المدن والبنية التحتية الإسرائيلية في أي حرب قريبة ـ إنما تفاقمت وتكرست، بل اخذ حتى كبار الجنرالات لديهم يعربون عنها علانية وأمام وسائل الإعلام.
فتصوروا الموقف الإسرائيلي حينما يعتبر رئيس دولة إسرائيل شمعون بيريز «الحدود اللبنانية الأكثر خطرا على إسرائيل»، مضيفا «إن مخاطر كبيرة تحدق بإسرائيل من جهة الحدود اللبنانية»، ليلحق به الجنرال باراك وزير الحرب الإسرائيلي محذرا «إن على إسرائيل الامتناع عن خوض حروب أو على الأقل إرجائها إذا أمكن.
لأن الجانب الآخر، سواء كان حزب الله أو إيران أو حتى حماس، سيوجه ضربات صاروخية باتجاه الجبهة الداخلية الإسرائيلية» (المشهد الإسرائيلي 2/ 5/ 2008)، وكان اعتراف الجنرال الاحتياط موشي عبري سوكينيك مؤخرا بأن الجيش قبل حرب لبنان كان«صدئا»، واعتبر «نتائج حرب لبنان مخجلة»، وحذر من «أن الجيش غير جاهز لخوض حرب»، قد أثار ردود فعل إسرائيلية واسعة تتسم بالتساؤلات القلقة.
وتأتي شهادة الجنرال متان فيلنائي نائب وزير الحرب الإسرائيلي على مستوى هام جدا، إذ قال للإذاعة الإسرائيلية العبرية (الأربعاء 27/ 8/ 2008): «إن كل إسرائيل باتت تقع الآن تحت مرمى الصواريخ»، في حين تحدث وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق موشيه ارنس لصحيفة هآرتز عن «خطر استراتيجي للمجتمع المدني الإسرائيلي جراء الصواريخ» (27/ 8/ 2008).
وتعزيزا لما ذهب إليه فيلناي، صرح رئيس لواء قسم البحوث في هيئة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) العميد يوسي بايدس خلال قائلا «إن كلا من حركتي حماس والجهاد الإسلامي في غزة أصبح لديهما القدرة على تهديد الجبهة الداخلية لإسرائيل، بواسطة مدى الصواريخ التي يمتلكونها وبدقة تلك الصواريخ في إصابة أهدافها، وان كل إسرائيل أصبحت عرضة لصواريخهم المطورة» )51/ 9/ 8002(.
وكتب عاموس هرئيل في صحيفة هآرتز 12/ 4/ 2008 مشيرا إلى «احتمال تعرض الجبهة الداخلية، منذ اليوم الأول للحرب في حال اندلاعها، إلى آلاف الصواريخ»، ليعززه قائد سلاح الجو الإسرائيلي سابقا، إيتان بن إلياهو، الذي أعلن أنه «في الحرب القادمة لإسرائيل، ستتعرض الجبهة الداخلية الإسرائيلية إلى ما يقارب 300 صاروخ بعيد المدى، بالإضافة إلى 5000 صاروخ قصير المدى (كاتيوشا)» (ع48رب- 3/ 7/ 2008).
في حين حذر الجنرال احتياط عودي شاني من «ان على إسرائيل ان تستعد للتعرض لقصف بالصواريخ على أراضيها إذا اندلع نزاع جديد محتمل وان تتخذ التدابير الضرورية لحماية نفسها، لان الحرب القادمة ستشهد استخداما مكثفا للأسلحة البالستية على كامل الأراضي الإسرائيلية».
وصرح وزير الأمن الداخلي آفي ديختر لصحيفة هآرتز أنه «كان يجب وضع قضية الجبهة الداخلية على رأس سلم الأولويات»، مشيرا إلى «أن الصواريخ هي الرد العربي على القوة العسكرية الإسرائيلية، وأن المعادلة الحالية لا يمكن أن توفر الردع المطلوب».
وتوج الجنرال المتقاعد ورئيس «المجلس للأمن القومي» جيورا ايلاند كل هذه التوقعات والهواجس الإسرائيلية وحالة الرعب على المصير بإعلانه: «إن إسرائيل ستخسر في حالة خاضت حربا ضد حزب الله» (17/ 9 / 2008).
وهكذا كما نتابع عبر اعترافاتهم وشهاداتهم ووثائقهم التي تأتي كلها على قاعدة: «من أفواهكم..»، فهناك اليوم في إسرائيل حالة كامنة (وأحيانا يعبر عنها علانية) من الرعب والفزع من الحرب القادمة التي قد تضرب حسب تقديراتهم كل المدن والمستعمرات الإسرائيلية حتى آخر نقطة في العمق الإسرائيلي!
وتكرس هذه الاعترافات مشهد الهزيمة والفرار والذل الإسرائيلي من جهة، وتعزز بالمقابل مشهد الانتصار التاريخي الذي حققه لبنان العربي على دولة الاحتلال الإسرائيلي.. ويبقى السؤال الاستراتيجي في هذا الصدد: هل يعتبر وهل يستخلص العرب العبر والدروس والاستخلاصات الملحة ليرتقوا إلى مستوى المواجهة والانتصار؟!
كاتب فلسطيني : nawafzaru@yahoo.com