مازالت تداعيات الحرب الأخيرة في القوقاز مستمرة ومتنامية خاصة على الساحة الأوروبية، فقد كشفت هذه الأزمة عن خلافات وانقسامات حادة داخل حلف شمال الأطلسي، كما كشفت عن خلافات جذرية بين أوروبا والحلف وبين أوروبا وواشنطن.

وأكدت هذه الأزمة مدى هيمنة واشنطن على قيادة حلف شمال الأطلسي الذي اتفقت توجهاته وتطابقت مع التوجهات الأميركية، خاصة في رفض الحلف للمساعي الأوروبية لتسوية الأزمة بدون توجيه أية إدانة لروسيا أو التفكير في فرض أية عقوبات عليها.

وقد أعلن ياب دي هوب شيفر، أمين عام حلف شمال الأطلسي (الناتو)، خلال زيارته الأخيرة لجورجيا عن عدم موافقته على خطة تسوية النزاع بين روسيا وجورجيا التي اتفق عليها الرئيس الروسي ميدفيديف والرئيس الفرنسي ساركوزي رئيس الاتحاد الأوروبي حاليا.

واعتبر المراقبون ذلك مؤشرا على وجود تناقضات بين الاتحاد الأوروبي والناتو حول المسألة الجورجية، حيث ان هذه الخطة من وجهة نظر الحلف وواشنطن استجابت بشكل كبير لطلبات وشروط موسكو ولم تراع أي طلبات للجانب الجورجي الذي بدأ وكأنه الطرف الذي تفرض عليه العقوبات.

هناك رأي آخر يرى أن الاتحاد الأوروبي يتضامن في حقيقة الأمر مع الولايات المتحدة التي اتهمتها روسيا بأنها طرف في النزاع بدعمها العسكري والسياسي لنظام الرئيس ساكشفيلي في جورجيا، وأن الاتحاد الأوروبي تستر على هذا الدور الأميركي ولم يناقشه من قريب أو بعيد في خطة التسوية في حين أن بعض القيادات والساسة الأوروبيين أدانوا بالفعل في تصريحاتهم الموقف الأميركي.

ولكن الاتحاد الأوروبي الذي استجاب مع الموقف الروسي نسبيا اضطر إلى تليين موقفه حتى لا تصل محادثات ساركوزي مع الرئيس الروسي إلى طريق مسدود، خاصة، أن روسيا نفسها تغاضت أثناء التسوية مع الاتحاد الأوروبي عن الموقف الأميركي غير المحايد في الأزمة.

وهذا ساعد على تمكن ساركوزي من إقناع ميدفيديف بالتسوية وبإزالة النقاط الأمنية الروسية في الأراضي الجورجية، علما بأن روسيا كانت لديها نية في الإبقاء على قوات لها داخل الأراضي الجورجية لفترة أطول.

إلا أن ساركوزي الذي فضل تجنب التطرق إلى مسألة وجود قوات روسية في جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا اللتين لم تعترف أوروبا بوجودهما حتى الآن نجح في إقناع روسيا بالانسحاب من الأراضي الجورجية.

زيارة الأمين العام لحلف الناتو لجورجيا وتصريحاته هناك بعدم الموافقة على خطة التسوية الأوروبية تأتي في إطار التناقضات وخلافات الرأي القائمة بين الأوربيين القدامى وبين قيادة الحلف الموجهة من قبل واشنطن.

ويرى البعض أن ما قام به أمين عام الناتو لا يعدو كونه مجرد تحرك سياسي لمجاملة جورجيا بعد أن بات واضحا أنه لا يمكن أن تصبح جورجيا عضوا في الحلف طالما استمر نزاعها مع جيرانها. كما يرى البعض أن الناتو هو الطرف الخاسر لأنه وجد نفسه خارج نطاق الجهود المبذولة لإنهاء هذا النزاع بسبب تمسكه بوقفه المؤيد لواشنطن والمجامل لجورجيا.

ويرى البعض أيضاً أن أزمة الحرب في القوقاز لن تبرز تداعياتها في شق الصف بين الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو إلا في المستقبل، وذلك عندما تعود واشنطن لتطرح طلب انضمام جورجيا لحلف الناتو، هذا الطلب الذي يتوقع الكثيرون أنه سيلقى رفضا شديدا من الأوروبيين الذين يرون في جورجيا مصدر صداع دائم لهم في علاقاتهم مع روسيا.

لا شك أن الوضع القائم لا يرضي الأميركان ولا الأوروبيين ولا الروس أيضا. صحيح أن روسيا هي الطرف الرابح نسبيا، ولكن لا يمكن أن ترضى موسكو عن قطع التعاون التكنولوجي مع واشنطن كما لا يمكن أن ترضى بتحميلها وحدها عبء حماية جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

وبالتالي لا بد من البحث عن حل يرضي الطرف الروسي والأميركي والأوروبي، وهو حل يتطلب تنازلات من كل الأطراف. ويمكن أن تسمح روسيا، مثلا، بنشر مراقبين دوليين في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا بينما يمكن أن يعطي الغرب ضمانات أمنية لهاتين الجمهوريتين أو يعترف باستقلالهما عن جورجيا.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني : vladi1949@mail.ru