لم يعد ممكناً منذ الحرب العالمية الثانية تجاهل أهمية وجود مرجعية تحكم العلاقات الدولية بعد الويلات التي جرها على العالم غياب هذه المرجعية متمثلاً في حربين عالميتين ضاريتين خلال أقل من خمسين عاماً راح ضحاياهما عشرات الملايين من القتلى المدنيين والعسكريين فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الرهيبة التي نجمت عنهما.
وقد كانت هذه الصراعات امتداداً لحقبة كانت العلاقات الدولية فيها تقوم على ما يسمى «حق الفتح»، حيث كانت القوة المعيار الوحيد وكان حق من «يستطيع» أن يضم بالفتح ما يمكنه ضمه من أراضٍ، ومعنى (حق الفتح) الذي ظل مطبقاً حتى أواسط القرن التاسع عشر تقريباً الإمكانية المتاحة أمام الطرف المنتصر في حرب دولية بأن يضم أراضي الخصم أو إقليماً منها إلى أراضيه.
وذلك كما فعلت فرنسا بالجزائر (1830) وكما فعلت ألمانيا بعد انتصارها على فرنسا (1870) حيث سلخت عنها إقليم الألزاس واللورين وضمته إلى أراضيها، لكن القانون الدولي المعاصر وضع حداً لمشروعية ضم أراضي الغير باسم (حق الفتح) منذ أواسط القرن التاسع عشر تقريباً .
حيث نصت بنود «مشروع بروكسل» )4781( على منع ضم أراضي الغير وتبعته في ذلك عدة نصوص دولية مثل: تصريح أوكسفورد (1880) واتفاقيات لاهاي (1899 و1907) واتفاقيات جنيف (1929 و1949) وبروتوكول جنيف (1977).
وهكذا أزيل (حق الفتح) من القانون الدولي وحل محله ما يسمى (قانون الاحتلال الحربي) وهو لا يسمح بنقل السيادة على أرض الغير إلى دولة منتصرة في صراع عسكري وإنما يمنح هذه الأخيرة حق إدارة الإقليم لمدة مؤقتة تزول بانتهاء الاحتلال.
من جهة ثانية فإن التعامل الدولي قد درج منذ عام 1874 تقريباً على عدم الاعتراف بأي عملية ضم لأراضي الغير ومعنى هذا أنه أصبح هناك قاعدة عرفية تمنع مثل هذا الضم وبدأ ذلك بشكل صريح في مقررات مؤتمر فرساي (1919) التي ألزمت ألمانيا برد إقليم الألزاس واللورين الفرنسي الذي كانت قد احتلته عام 1870 إلى فرنسا وتعويضها عن مدة الاحتلال التي دامت حوالي نصف قرن.
ودرجت أغلبية الدول بعد ذلك على عدم الاعتراف بعمليات ضم وإلحاق أقاليم الغير بالقوة وكان السابق في ذلك الولايات المتحدة الأميركية التي أصدر وزير خارجيتها عام 1932 المستر ستيمسون بمناسبة الحرب الصينية اليابانية.
حين حاولت اليابان إنشاء دولة مستقلة في إقليم منشوريا الصيني والمحتل من قبلها تصريحاً مؤداه ان حكومة الولايات المتحدة الأميركية لن تعترف بأي تغييرات إقليمية تحدث في الأقاليم المحتلة بالقوة، وقد لاقى هذا التصريح تأييداً دولياً واسعاً لدرجة أنه أصبح يعتبر مبدأ أساسياً من مبادئ نظرية الاعتراف في القانون الدولي ويسمى «مبدأ ستيمسون».
وقد تكرس هذا المبدأ عند احتلال ايطاليا للحبشة (1936) حيث لم تعترف الولايات المتحدة الأميركية وأعضاء «عصبة الأمم» بهذا الاحتلال. وعندما أنشئت «لجنة القانون الدولي» في هيئة الأمم المتحدة وطلب إليها بيان الرأي القانوني في هذا الموضوع اعتبرت الضم والإلحاق من أخطر أنواع العدوان لأنهما يشكلان جريمة دولية مستمرة على سلام وأمن الإنسانية جمعاء وأدرجتهما في مشروعها الخاص بالجرائم الدولية.
ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي تشهد العلاقات الدولية تحولات بشأن مفهوم سيادة الدولة، ففي المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان (فيينا 1993) اقترحت الولايات المتحدة استحداث منصب مفوض سامي لحقوق الإنسان تكون لديه سلطة التدخل في الشؤون الداخلية للدول لحماية حقوق الإنسان.
ومن الناحية النظرية ظهرت كتابات عديدة تبشر بنهاية المفهوم القديم لسيادة الدولة لحساب حق المجتمع الدولي في التدخل لحماية الأقليات أو لفرض الديمقراطية، وخلال هذه السنوات شهدت العلاقات الدولية سوابق هي الأولى من نوعها. فوجه حلف الأطلسي ضربة عسكرية لنظام ميلوسيفيتش على خلفية الأزمة التي شهدها إقليم كوسوفو، وفي النهاية قادت الولايات المتحدة عملية فصل الإقليم عن صربيا.
وتعد عملية إطاحة نظام طالبان والنظام البعثي في العراق فصلاً جديداً في تاريخ العلاقات الدولية، فرغم المعارضة الكبيرة لهذا التحول كان هناك دول ساهمت مع الولايات المتحدة في عملية إطاحة نظام صدام، هذا طبعاً فضلاً عن الجدل الدولي حول مدى استحقاق هذا الوجود الدولي وصف «الاحتلال» من عدمه.
والآن مع المشكلة الناشبة بين جورجيا وروسيا يبدو التنازع في العلاقات الدولية أكثر وضوحاً بين حق التدخل والحقوق الأساسية للشعوب والأقليات، وهناك من يرى أن مفهوم سيادة الدولة مازال قائماً ـ وبمعناها التقليدي المطلق ـ وهناك من يرى أن «حق السيادة» يوشك أن يحال إلى التقاعد كما حدث مع «حق الفتح».
وفي مقابل التنديد بالتدخل وانتهاك سيادة الدولة بوصفه هيمنة، هناك من يشير إلى النتائج الخطيرة للإحجام عن التدخل كما في مثال الحرب الأهلية في رواندا (1994) التي قتل فيها أكثر من 800 ألف مدني، ما فتح الباب لتوجيه اللوم للمجتمع الدولي بسبب الإحجام عن التدخل، فهل كان الإحجام عن التدخل خطأ؟ ومتى يعد مشروعاً؟ وبخاصة أن بابا الفاتيكان أقر حق المجتمع الدولي في التدخل كأسرة واحدة لأجل أهداف إنسانية!
كاتب مصري : mmshikh@hotmail.com
