مرّ هذه السنة، «اليوم العالمي للسلام»؛ فيما المشهد الدولي، ليس فقط أبعد ما يكون عن حالة السلم والأمن؛ بل هو يغوص أكثر فأكثر في نقيضها. ويزيد من كآبة الصورة، أن هذه المناسبة تصادفت مع الذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ التي ليست، هي الأخرى، بأفضل حال مما هو عليه السلام المفقود. التدهور يجري على الجبهتين. وهو مفتوح على كل الاحتمالات.
البؤر المأزومة والمتفجرة، في العالم، تتفاقم أوضاعها وأزماتها. الحلول بشأنها تدور في حلقة مفرغة. في أحسن أحوالها تعيش على شراء الوقت. ليس ذلك فحسب، بل إن قائمة ساحاتها تكبر وبوتيرة متسارعة.
لم تعد مقصورة على الشرق الأوسط؛ ولو أنه لا يزال على رأس اللائحة. أوروبا دخلت على الخط، من خلال أزمة جورجيا. أفريقيا تعصف بها صراعات، سياسية ومحلية، محتدمة ومتمدّدة؛ ناهيك بموجات المجاعة التي تهدّد الملايين من سكانها. حتى أميركا اللاتينية، التي نعمت بفترة هدوء ونمو، عاد التوتر إلى بعض ساحاتها.
أما منطقة الشرق الأوسط، فحدّث ولا حرج. أزماتها تراوح بين الانسداد وعودة السخونة إلى أوضاعها، وبين محاولات الترقيع، لتقطيع الوقت بانتظار حدوث تغيرات في الظروف، الداخلية والإقليمية والدولية. العنف فيها سيّد الموقف. في أحسن الأحوال، سيفه مسلّط فوق الرؤوس وجاهز للانقضاض.
وفي الأيام الأخيرة توسّعت دائرة تجواله، في المنطقة. موجة تفجيرات إرهابية ضربت، في أقل من أسبوع، صنعاء وإسلام أباد. عمليات انتحارية تسببت بسقوط عشرات القتلى. وكأن في ذلك رسالة بأن هذه العمليات ليست قادرة فقط على الحركة، بل أيضاً على توسيع نطاق أهدافها وإلحاق ضربات موجعة بها.
ولزيادة الطين بلّة، نشبت أزمة مالية دولية مزلزلة، فجّرتها انهيارات لمؤسسات ومصارف أميركية عاتية. المضاعفات والأكلاف، هائلة. تداعياتها باقية لزمن غير قصير. وحتى الآن يتعذر تقدير انعكاساتها. باعتراف كافة المعنيين، هي غير مسبوقة؛ لا بحجمها ولا بخطورتها.
مشهد دولي، اختلط فيه الحابل بالنابل. السياسي بالعسكري بالاقتصادي، مع انتعاش لعنف إرهابي متمدّد ومدمّر. يهدّد بصبّ المزيد من الزيت على نار هذا الخليط الملتهب، عودة التوتر للعلاقات الروسية - الأميركية؛ وبما ينذر باستئناف حرب باردة جديدة، ولو بدرجة مختلفة؛ مع كل ما يفرزه ذلك من استقطاب وبالتالي من انعكاسات سلبية؛ على الساحات المشتعلة أو المرشحة للاشتعال.
ذكرى «يوم السلام العالمي» مرت وكأنها طائر في غير سربه. وكذا كانت كلمة الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون. المسئوليات موزعة بنسب متفاوتة. لكنها لوحة يصحّ فيها ما يقال بلغة الفلاحين، من أن «الثلم الأعوج من الثور الكبير». ولا يكون التصحيح إلا بالعودة عن الاعوجاج الكبير الحاصل، على الساحة الدولية. بالنهاية لا يصح غير الصحيح، ولا خيار غير تعزيز السلام والعمل على صيانته.
