باتت القائمة الاميركية للدول الراعية للارهاب تفقد اهميتها يوما بعد يوم بسبب سوء استخدامها، وتوظيفها وفق اعتبارات السياسة الخارجية الاميركية، وعدم مصداقية الادارة الاميركية التي تضعها، وتتصرف على اساسها.

ولهذا لم يكن غريبا ان تعلن كوريا الشمالية على لسان الناطق باسم وزارة خارجيتها انها غير مهتمة بازالة اسمها من هذه القائمة، وانها بدأت باعادة تجميع منشآتها النووية الرئيسية لتعود الى الوضع الذي كانت عليه سابقا، تمهيدا لتشغيلها مجددا.

الادارة الاميركية تستخدم القائمة المذكورة لفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على الدول التي تختلف مع سياساتها، اما الدول التي تسير في فلك هذه السياسات فهي محصنة من اي اتهامات بالارهاب، وتستطيع حكوماتها ان ترتكب من المجازر وانتهاكات حقوق الانسان فيها، وهي مطمئنة الى الحماية والدعم الاميركيين في الوقت نفسه.

فاذا القينا نظرة سريعة على حلفاء اميركا في منطقتنا العربية نجد ان هذه الانظمة في معظمها تحكم من قبل انظمة استبدادية دكتاتورية فاسدة، سجلاتها على صعيد احترام حقوق الانسان هي الاسوأ بالمطلق، ومع ذلك لا تتضمنها القائمة الامريكية للدول الراعية للارهاب.

ولا نستطيع ان ننسى اسرائيل الحليف الاوثق والمدلل للادارة الاميركية التي تمارس جرائم حرب ضد الانسانية في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وكان آخرها حصار مليون ونصف المليون انسان في قطاع غزة، وارتكاب مجزرة بيت حانون في حق اسرة العثامنة التي ابيدت بالكامل.

ومن المفارقة ان الادارة الاميركية التي أزالت اسم ليبيا من قائمة الدول الارهابية بمجرد تفكيكها لبرامج اسلحتها النووية والكيماوية والبيولوجية، وفتح اراضيها امام الشركات الاميركية، لم تتطرق مطلقا وبشكل جدي لملف حقوق الانسان كشرط لاستئناف العلاقات، وتبادل السفراء مع هذه الدولة التي كانت 'مارقة' وعضوا في 'محور الشر' وفق التصنيفات الاميركية.

الادارة الاميركية الحالية ضربت كل قيم العدالة والمساواة واحترام حقوق الانسان التي كانت اساس ومصدر فخر الشعب الاميركي، بل والعالم بأسره، حتى قبيل الحرب العالمية الثانية، وانعكست بجلاء في مبادئ ولسون الشهيرة، وجعلت هذه القيم في الحضيض باحتلالها العراق، والتسبب في قتل المليون من ابنائه وتشريد خمسة ملايين آخرين على الاقل.

كوريا الشمالية التي تحتل مكانة مرموقة على قائمة الولايات المتحدة الارهابية، لم تغز دولة اخرى، ولم تستخدم اسلحة محرمة ضد جيرانها، مثلما فعلت اميركا باستخدامها الفسفور الابيض واليورانيوم المنضب في حربها على العراق والمقاومة فيه، كما انها لم تمارس التعذيب بالصورة التي شاهدناها في معتقل ابو غريب العراقي.

قائمة اميركا للدول الارهابية فقدت مصداقيتها بسبب ممارسات الادارة الحالية، ولم تعد تقنع احدا، ولهذا كان التجاهل الكوري الشمالي لها في محله، دون ادنى نقاش، فالارهاب الاميركي بات هو الاساس، ويتضاءل امامه اي ارهاب آخر.

نحن ضد الارهاب بأشكاله كافة، سواء كان ارهاب دولة او ارهاب أفراد، فهو خطر يهدد البشرية وامنها واستقرارها، ويجب ان تتوحد كل الحكومات في مواجهته وتأمين البشرية من شروره.

ولكن المطلوب من الدولة الاعظم في العالم ان تقدم لنا المثل والقدوة في هذا الشأن، ليس باصدار قوائم لمعاقبة الحكومات والشعوب المستهدفة من قبلها، وانما من خلال سياسات خارجية عادلة تحقق الحرية والمساواة، وتدعم احترام حقوق الانسان والقيم الديمقراطية، وهذا ما لا نراه حاليا للأسف الشديد.