تظل بعض السياسات في بعض المناطق لغزاً بلا تفسير، وهو لغز مفعم بالتناقض والجمع بين المتضادات، لكنه يظل يلح في طلب الاجابة، ولنتحدث كمثال على ذلك عن منطقة القرن الافريقي الواقع في شرق قارة افريقيا بما يحمل من تنوع هائل في الاعراق والديانات.
ولكن ينتظمه رابط واحد، ألا وهو الفقر المدقع والمجاعات التي تتعاقب على سكان تلك المناطق، بعضها في اثر بعض حتى ان الامم المتحدة حذرت امس، من ان منطقة شرق افريقيا مهددة بمجاعة طاحنة تصل الى حد الكارثة حسبما صرح جون هولمز منسق المعونات العاجلة بالامم المتحدة الذي يطالب بتبرعات عاجلة في حدود 716 مليون دولار لتمويل المعونات المرصودة للعام الحالي.
لكن المفارقة تبرز في كون هذه المنطقة تحتوي ايضا على جماعات مسلحة بأحدث الاسلحة وتستخدم ادوات نقل قوية وادوات اتصال حديثة ولديها من الدعم اللوجستي ما يمكنها من شن حرب طويلة المدى كما يبرز من اسماء عديدة لجماعات مسلحة في دول متعددة في منطقة القرن الافريقي.
بل ان بعضهم لديه القدرة على ادارة عملية قرصنة بحرية بطرادات مجهزة تجهيزا عاليا يتم خلالها الاستيلاء على سفن عملاقة والتي تختفي من البحر كأنها إبرة في كومة من القش، ثم تحتار القوات البحرية للدول الكبرى وبخاصة الاميركية والفرنسية والاسبانية والالمانية في البحث عن هذه السفن التي لا تظهر ولا يتم الإفراج عن ملاحيها الا بعد دفع فدية بملايين الدولارات.
كذلك من هذه (الميليشيات) من لديه القدرة على شن حرب خاطفة لكنها دامية على عواصم دول كما حدث في ام درمان بالسودان، وكما يحدث في شرق تشاد وفي الصومال وأوغندا. أفلا يكون من حق شعوب هذه البلدان التي تضطر الامم المتحدة الى ارسال استغاثة دولية لإطعامها ان تجد إجابات لهذه التساؤلات؟
إنها احدى عجائب السياسة الدولية التي لا تكترث بمنطق الاشياء وتعنى بتسيير القضايا في مسارات تخدم مصالح الدول الكبرى، التي تصارع بعضها بعضاً من اجل الهيمنة على ثروات تلك البلاد الفقيرة دون اكتراث بوضع برامج تنموية فاعلة لانتاج الغذاء في تلك البلدان، والتي تحتوي على مصادر للمياه واراض خصبة ولكنها بحاجة الى مصادر تمويل للاصلاح.
واذا ما تقاطعت مصالح الدول الكبرى ظهرت الجماعات المسلحة تسليحا جيدا لتفرض الامر الواقع الذي يمليه الطرف الأقوى والقادر على خلط الأوراق وطرد القوة الاقل قدرة على افتعال هذه الصراعات، واحيانا ما نجد في البلد الواحد مناطق تجتاحها السيول من شدة الامطار ومناطق يطحنها التصحر والجفاف.
وكل ما هو مطلوب أن يتم تطبيق المبدأ القائل بأن تعطي الفقير شبكة وتعلمه الصيد افضل من ان تعطيه سمكة بمعنى ان تلك الدول بحاجة الى برامج تنمية دائمة تضمن مصدر غذاء متجدداً وليست فقط بحاجة الى جمع معونات وتوزيع غذاء في وجبات، والانتظار على باب الدول المانحة.. هذا اعطى وهذا منع.
فعلاً.. الاقتصاد العالمي بحاجة الى إعادة نظر، بحاجة الى اقتناع بمبدأ التكافل والشفافية في الاداء والكف عن افتعال الازمات وفي نفس الوقت الظهور بمظهر من يتألم لسماعه اصوات صراخ الأطفال الجوعى، في شرق افريقيا او في غيرها.
