خرجت وزارة الخارجية الأميركية كالعادة بتقريرها السنوي عن الحرية الدينية في العالم‏,‏ وذلك عن الفترة من يوليو‏2007‏ حتي يوليو‏2008,‏ وتضمن الاشارة إلى تدهور الحريات الدينية في الصين وايران ومصر بالإضافة إلى بورما واريتريا وكوريا الشمالية واوزبكستان‏.‏

وذهب التقرير إلى أن الأوضاع ساءت في بعض الدول المعتدلة كالأردن والجزائر واحرزت بعض التقدم في السعودية‏,‏ ولقد تعود العالم على عدم التعامل بجدية مع التقرير السنوي الأميركي هذا‏,‏ ذلك نظرا لانه تقرير سياسي لا أحد يشك في نياته أو حقيقية كونه إحدى ادوات السياسة الخارجية الأميركية‏!‏

وبرغم هذه الحقيقية فان ما يستوقف النظر في الجزء الخاص بمصر هو الجديد الذي أتت به الخارجية هذه السنة‏,‏ ووفقا للتقرير فان عدة اجراءات وممارسات حكومية جرى اتخاذها خلال الفترة المذكورة أسهمت في تراجع احترام الحكومة للحرية الدينية ويدلل التقرير على ذلك بالاشارة إلى القيود المفروضة للتحول عن العقيدة إلا لغير المسلمين‏!‏ وهذه نقطة في غاية الخطورة لانها ببساطة كفيلة بتفجير المجتمعات العربية والإسلامية‏.‏

وبالضرورة عندما تتحدث الخارجية الأميركية عن حرية التحول عن العقيدة فانها تدرك ان ذلك يتلازم مع سياسة التبشير وبالطبع فان هذه السياسة وتاريخها الطويل في المشرق العربي والإسلامي ليست ذات سمعة جيدة‏,‏ فماهو معلوم ان التبشير والمبشرين ارتبطوا بالحروب الاستعمارية‏,‏ بل ان اصحاب الديانة المسيحية الارثوذكسية في شرق أوروبا ـ وبلغاريا على سبيل المثال ـ يشكون من حملات التبشير الأميركية لديهم‏!‏

وأخطر ما في التبشير ليس الخوف على تحويل المسلمين في مصر بل المحاولات الفظة لتحويل المسيحيين الارثوذكس المصريين إلى المذاهب الأخرى الكاثوليكية ـ البروتستانتية وهو الأمر الذي ليس سرا‏,‏ وشاهدنا بعضا من توابعه من محاولة الأنبا مكسيموس الذي حاول منازعة القيادة الشرعية للبابا شنودة‏,‏ وأغلب الظن ان رعايا الكنيسة المصرية يعرفون الدوافع والاصابع الأميركية‏.‏

وإذا كانت الولايات المتحدة خاصة في ظل إدارة بوش تعاملت مع قضايا العالم المعقدة‏,‏ وقضايا المنطقة المركبة بخفة شديدة ابرزها الفوضى الخلاقة لنشر الديمقراطية إلا ان دولا قديمة وراسخة مثل مصر لاتتعامل مع القضايا الخطيرة بمثل هذه الخفة لذا لم يكن غريبا ان مصر لاتتبع سياسة التبشير الديني بصورة رسمية ولا تؤيد ايا من المؤسسات غير الرسمية على العمل في ذلك سواء داخل أو خارج مصر‏.‏

وبالنظر إلى ان الدولة المصرية لاتخضع للمساءلة إلا من قبل مواطنيها وتماشيا مع سياسة مصر برفض التدخل في شئونها الداخلية من قبل الاصدقاء والاعداء على حد سواء‏,‏ إلا انه مع ذلك فان الأمر يتطلب توجيه نصيحة للولايات المتحدة وللإدارة الأميركية المقبلة تدعوها لتوخي الحذر وهي تسير في حقل الالغام الديني فيجب ان تدرك واشنطن ان باثارتها قضية التحول عن العقيدة تضع نفسها في صفوف المتربصين بمصر وبالأمة العربية والإسلامية‏. ‏

وإذا لم تكن تدرك فعليها ان تعي ان فتح الباب امام هذه القضية يعني الخراب والدمار وشق الصف‏,‏ والأخطر توفير ذخيرة لاتقدر بثمن للمتطرفين والإرهابيين الذين يؤكدون ان ما نحن بصدده حرب دينية ضد الإسلام من أجل تحويل المسلمين عن دينهم‏,‏ كما ان لعب واشنطن بهذه الورقة سيدفع البعض ـ الذي علا صوته فعلا ـ للقول بوجود حركات تبشير ناشطة في مصر والجزائر وغيرها‏,‏ والأخطر بدء سباق من اجل تحويل الاقليات عن عقيدتها بالنظر إلى بدء الغرب بزعامة أميركا لسباق ديني خطير‏!‏

اذا كانت واشنطن ترغب حقيقة في اشاعة الاستقرار وازدهار الحريات الدينية بصورة أكبر وصحية فان عليها ان تقود مع اخرين حوارا عالميا بشأن احترام العقائد الدينية ورموزها وعدم التدخل في شئون العقيدة لدى الأخرين‏,‏ والأهم كيف يعيش اصحاب العقائد المختلفة في وئام وسلام استلهاما للخبرة المصرية الخالدة الدين لله والوطن للجميع بدلا من دعوة واشنطن للحريات الدينية على طريقة الفوضى الخلاقة‏!‏