عندما واجه العراقيون الاحتلال البريطاني عام 1920 ، في ما عُرف بـ ( ثورة العشرين ) ، لم يتساءل أحد عن مذهب أو عشيرة علي البازركان وضاري المحمود ويوسف السويدي ومحمد سعيد الحبوبي وباقر الشبيبي وشعلان أبو الجون وغيرهم من الوجوه البهية التي قادت الثورة في وجه الإنجليز. هل كنا بحاجة إلى معرفة الطائفة التي ينتمي إليها هؤلاء الوطنيون؟
إذا تجاوزنا التاريخ وقلنا ( محمود الحفيد ) فمن منا يعرف من خلال هذا الاسم المجرّد أن الرجل كردي سني، وإذا ذكرنا ( فهد ) ، مؤسس الحزب الشيوعي، فمن منا يعرف أنه عربي مسيحي ولولا أن ينتسب مصطفى البارزاني إلى بيئة جغرافية هي من صميم الوطن، لم يكن يُعرَف بأنه كردي سني بقدر ما يُعرف بأنه عراقي مقاوم للظلم والاضطهاد.
مثله مثل جعفر أبو التمن وحبيب الخيزران ومحمد رضا الشبيبي وكامل الجادرجي ومن جاء بعدهم من شخصيات العراق التي أسست لهذا الوطن العراقي ذي الحضارات الخمس ( السومرية والأكدية والبابلية والآشورية والإسلامية ) والأديان الخمسة ( الإسلام والمسيحية واليهودية والمندائية والأيزيدية ). من سأل منا مَن هؤلاء ومن أي عرق وطائفة ودين العراق عراق الجميع، والحق حق للجميع، وليس من حق فئة أن تدعي حق التشريع للسلوك الاجتماعي إلا في حدود الدستور والقوانين المبنية عليه .
لا حق لأحد أن يمنع المسيحيين من ممارسة طقوسهم واختيار مصادر معيشتهم، ولا حق لأحد أن يحجب أرزاق الناس إلا في حدود ما ينص عليه الدستور والقوانين والمبادئ الأخلاقية . كما لا يحق لأحد أن يتعرّض لسلوك الناس في تقاليدهم ومعتقداتهم وما درجوا عليه؛ فهذا وطن كان ولا بد أن يبقى حر الإرادة والسلوك والمواضعات الاجتماعية كما كان منذ قرون، وكما تنظمه شرائع الأمم .
للناس أن يفرحوا، وأن يقيموا شعائرهم وفق ما يريدون، وعلى القانون والقيّمين عليه أن يكفل لهم حرية ذلك، فلسنا خارج التاريخ، ولنا من تراثنا ما يحترم حقوق الأفراد والجماعات، وعلينا أن نحتفي بها ونحترمها ونطورها لصالح الشخصية العراقية المنفتحة والأمينة على صيانة التراث الاجتماعي وحقوق الأفراد والجماعات .
العراق عراقنا، والحقوق حقوقنا، وليس لأحد منّة علينا في أن نكون امتدادا لتاريخنا المتسامح الذي يضمن لكل طوائفه حرية الرأي والسلوك والعيش الكريم . هذا هو المبدأ الإنساني الأخلاقي الشرعي، فأين نحن منه هو قريب منا، ونحن بعيدون عنه، نتشبث بعناد خارج المنطق، بما تثيره الحزازات العرقية والطائفية، بل وحتى الجغرافية والمناطقية؛ ونؤسس لوطن جديد لا يخجل من المحاصصة لمكوناته المتداخلة والمتفاهمة والمتعاونة عبر تاريخه .
أيكون من المنطق هذا التناحر والمماطلة والمحاصصة في تحديد معالم الوطن ألا تنتبه السياسة العراقية إلى بُعد الشقّة بين ما تسعى إليه من تقسيم ومحاصصة، وبين طبيعة البُعد الوطني الواقعي التاريخي للعراق الممتد في جذور التاريخ، ومزاج أهله الذين لم يألفوا هذا العبث بكيانه ومكوناته أفهذا ما نريده للعراق الجديد لا يأتي اسم ( كركوك ) إلا مصحوبا بعبارة ( الغنية بالنفط ) ، وهي عبارة ( استثمارية ) تُعنى بها دول لا ترى غير بريق الذهب الأسود .
أفهذا كل ما تتضمنه هذه المدينة الغارقة في التاريخ، والحامية لثقافتها العراقية المتمثلة بالنسيج الاجتماعي المتماسك والثقافة المتداخلة في ثقافة الوطن العراقي المتعالي على التجزئة والمحاصصات . إلى متى هذه المحاورات والمناورات والمداورات لاستلاب حصة من هنا، وإضافة حصة إلى هناك أليس من الضروري النظر إلى هذه المدينة الجميلة باعتبارها صيغة للثراء المادي والثقافي.
والنموذجي للتكافل الوطني أليس من المخجل أن يمتد التفاوض بهذا الشأن إلى عشرات اللجان وعشرات المتفاوضين ومئات الأيام، وصياغة التواطؤات، وإعادة صياغتها، والعودة إليها لتجميل صياغتها الأخيرة، دونما نتيجة لا من هنا ولا من هناك ؟
كاتب عراقي : mohammed_saggar@yahoo.fr