هزني حضور مارسيل خليفة ومشاهدته رأي العين وهو يتحدث عن درويش، وسرى التأثر في مارسيل إليّ من المنصة وفي حديث قصير معه وهو يرثي رفيق رحلته الطويلة. إنهما صنوان أو وجهي صورة مكتملة إلى الحد الذي تبدو فيه أشعار درويش وكأنها كتبت لمخيلة مارسيل الموسيقية، بل إلى الحد الذي يبدو فيه الشاعر متلبساً مارسيل والموسيقي كان مخبأ في قلب درويش.

لكن ما هزني أكثر هو توقيت الاحتفال: 17 سبتمبر. هل تذكرون هذا التاريخ؟ من المؤكد ان قليلين سيتذكرون هذا التاريخ من فورهم، وآخرون سيتذكرونه بقليل من إنعاش للذاكرة، وهذا أكثر ما هزني بعمق في تلك الليلة، لأنه تاريخ يضعنا من جديد مع أسوأ ما فينا: نحن نساؤون وذاكرتنا قصيرة تعمل يوماً بيوم.

إنها ذكرى مجزرة «صبرا وشاتيلا»، المجزرة التي كتب عنها درويش: «صبرا تقاطع شارعين على جسد.. وصبرا نزول الروح في حجر.. وصبرا لا أحد صبرا هوية عصرنا حتى الأبد». لقد طوت ذاكرتنا «صبرا وشاتيلا» مثلما طوت قبلها «دير ياسين» و«كفر قاسم» و«قبية» وغيرها من مجازر «الهولوكوست» الفلسطيني الطويل والممتد.

حتى ثمانينات القرن الماضي، كانت الذكرى حية وتجد من يضيء شموعاً للضحايا ويعيد تذكير العالم بها. لكن ما ان حلت التسعينات حتى أصبحت ذاكرتنا تحت وطأة هجوم شديد الوطأة وبدا وكأن المطلوب من الفلسطينيين والعرب ان ينسوا جراحهم دون ان تبرأ ودون ثمن من أي نوع حتى الثمن المعنوي.

المؤلم في هذا كله، ان الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين في جوهره الأهم هو صراع بين الضحية والجلاد، صراع من أجل التفوق الأخلاقي الذي برهنه الفلسطينيون بجدارة طيلة عقود طويلة من نضالهم بلغت ذروتها في الانتفاضة الأولى عام 1987. في ذلك الوقت كانت الصورة جلية إلى حد بليغ أمام العالم كله: شعب أعزل تحت الاحتلال يناضل من أجل التحرر.

لكن إهمال التاريخ وثقوب الذاكرة، ظلت سمة لصيقة أيضاً بالفلسطينيين والعرب. لقد تم إهمال البعد الأخلاقي في الصراع العربي الإسرائيلي بشكل غير مبرر على الإطلاق وتراجعت الجهود والمبادرات التي تعيد تذكير العالم بالمأساة الفلسطينية إلى أدنى الحدود لتقتصر على جهود منظمات تطوعية أو مؤسسات فلسطينية صغيرة تفتقر للدعم الحقيقي.

ان التذكير بالمأساة الفلسطينية أمر يختلف عن استدرار العطف، ذلك ما عمل عليه اليهود والإسرائيليون عندما حولوا بمثابرة وإصرار «الهولوكوست» إلى قضية مركزية لا في الثقافة اليومية للإسرائيليين واليهود عموماً بل للعالم أجمع.

ليس الفلسطينيون مطالبين بتكرار أو استنساخ ما قام به الإسرائيليون ويقومون به حتى اليوم، لكن إعلاء المأساة وتذكير العالم بها يبدو أمراً لا مناص منه بل وحتمياً لشعب ضحية يتعين دوماً ان يذكر العالم بمأساته.

لا يمكن اختزال هذه المأساة في رسائل سياسية أو إعلامية للعالم، بل ان الذاكرة الجماعية الفلسطينية والعربية تحتاج لأن تختزن المأساة لأنها الضرورة الأولى لوعي الشعب نفسه بالبعد الجوهري للتفوق الأخلاقي في نضاله من أجل الحرية والاستقلال.

انه بهذا المعنى يعيد صياغة الوعي بمضامينه الإنسانية السامية على نحو يبقيه محصناً من التحول إلى نزعات لا إنسانية تدفع الضحية لأن تتشبه بالجلاد وتحاكيه. لقد وقع اليهود في هذا جلياً، فالضحية التي تعرضت للهولوكوست على يد النازيين تحولت إلى جلاد لشعب آخر هو الشعب الفلسطيني.

هنا بالضبط، يتعين إدراك الأهمية القصوى لإبقاء ذاكرة الشعب الفلسطيني والعرب والعالم حية بجوهر المأساة الفلسطينية. سأزيد بالقول ان إقامة نصب تذكاري مثل نصب «فاشوديم» الإسرائيلي أمر مهم، وقبل هذا على العالم ان يتذكر هذا البعد المأساوي في الصراع العربي الإسرائيلي جيداً عبر الإحياء المستمر لشواهد المأساة الفلسطينية الممتدة.

من يقوم بهذه المهمة؟ لن يدفعنا لإدراك الأهمية المركزية لإحياء محطات المأساة الفلسطينية والضحايا والشهداء سوى هذه الصورة الراسخة اليوم للوضع الفلسطيني. لقد اختزل الوضع نفسه إلى صورة قاتمة ليس فيها سوى انقسام سياسي عميق بات جزءاً من الهجوم الذي تتعرض له الذاكرة الفلسطينية والعربية، هجوم لا يسعى إلا إلى قلب الصورة تماماً وإظهار الضحية بأنها الجلاد تحت مسميات شتى تختزلها هذه المفردة التي ابتذلت كثيراً: «الإرهاب».

وجه آخر لهذا العيب المميت هو ان صور الجلاد الإسرائيلي تتراجع أمام صور راهنة وطارئة. فصورة الطفل الشهيد «محمد الدرة» والشهيدة الرضيع «إيمان حجو» مثلاً وقعت قبل سنوات قليلة، لكنها مغيبة وغائمة في أفضل الأحوال أمام كل صور الاحتراب الفلسطيني الطارئة.

وليس في ذكرى المجازر والشهداء ما يدفع الفرقاء الفلسطينيين للالتقاء على الحد الذي لا يمكن التخلي عنه، أي ذلك الحد الذي يوضح بجلاء ان الفلسطينيين أياً كانوا وأياً كانت انتماءاتهم هم برسم القتل. ضحايا جاهزة مثلما كان أسلافهم على مر القرن العشرين وحتى اليوم.

كاتب صحافي بحريني : m.alobaidley@gmail.com