من جديد تطرق محاربة المجاعة في إفريقيا، باب عالم الأغنياء للمساعدة. هذه المرة الطلب مستعجل. الملايين المهدّدة، معاناتها تفاقمت؛ بتواطؤ مثلث جنون الأسعار والجفاف والنزاعات المحلية. واحد منه لوحده يكفي، في ضوء أوضاعها المعروفة، لإنهاكها. بل لتهديد دورة الحياة فيها.

ولأن الأمر بات يقترب من حد الكارثة، سارعت الأمم المتحدة إلى دق ناقوس الخطر ووضعت مشروع مساعدات عاجلة بحوالي 700 مليون دولار؛ وناشدت الدول الصناعية الغنية الاستجابة العاجلة لهذا النداء. واقع الحال، أن المسألة ليست طارئة.

سبق للمنظمة الدولية أن لفتت إلى هذا التحدّي وضرورة التصدّي له، قبل استفحاله. في مطلع الربيع الفائت نبّهت إلى أن الجوع يهدّد بغرز أنيابه في أجزاء واسعة من عالم الجنوب، خاصة في مناطق واسعة من أفريقيا. عوامل وظروف قاسية تضافرت لتجعل لقمة العيش صعبة المنال أكثر فأكثر، على ملايين الناس.

ومع الارتفاع الصاروخي للأسعار، بدأ خناق الأزمة يشتدّ وبوتيرة متسارعة؛ وبدأت أصوات النجدة ترتفع. حذّر الأمين العام للأمم المتحدة، يومذاك، من زحف المجاعة. طالب بحزمة مساعدات عاجلة، بنفس الحجم الذي يطلبه اليوم.

مثل العادة، لاقت دعوته الاهتمام والاستعداد للإنقاذ. لكن الوعود بقيت حبراً على ورق. واليوم تتجدّد الدعوة، عشية بدء الدورة العادية للجمعية العمومية في الأمم المتحدة؛ التي تفتتح أعمالها غداً، في نيويورك. الفرصة سانحة. قيادات العالم وكبار صناع القرار في عواصمه يلتقون في هذه المناسبة. طرح الموضوع أمامهم وبهذه الصيغة الضاغطة، يضع الجميع على المحك.

فهذه مسؤولية إنسانية من الدرجة الأولى. سبعة عشر مليون إنسان، حسب تقديرات المنظمة الدولية، معرضون للوقوع فريسة في شدق الجوع القاتل. أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا أنفسهم عند تقاطع ظروف، لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

ثم أن قيمة المساعدة المطلوبة ليست بالأرقام الفلكية. مبلغ زهيد، بالمقارنة مع أرقام خيالية يجري سفكها هدراً أو لأغراض الحروب والدمار. اليوم يعيش العالم تداعيات أزمة مالية عاتية خسائرها بتريليونات الدولارات، نتيجة للفساد والانفلات والطمع الجنوني.

المؤسسات المالية والمصارف، الأميركية العاتية، التي تساقطت تباعاً كأحجار الدومينو، بعد أن نخرها سوس الشطط والعبثية من الداخل؛ كلّف وقف تدهورها فقط، حتى الآن، حوالي التريليون، والحبل على الجراّر. حجم مبيعات الأسلحة، حتى الآن من السنة الجارية، غير مسبوق.

أميركا لوحدها بلغت حصتها 32 مليار دولار. ارتفاع بحوالي ثلاثة أضعاف عما كان عليه قبل ثلاث سنوات. إذا كان العالم قادراً على تحمّل انهيار مالي بهذا الحجم، وإذا كان لديه ما يكفي من المال لتكديس الأسلحة بهذه الوتيرة؛ فلا شك أن بوسعه إنقاذ الملايين من أبناء جلدته، التي تتلوّى على نار الجوع. ولا عذر لمن يتخلف عن تلبية نداء الأمم المتحدة وعن تأدية هذا الواجب.