ليس من المبالغة في شيء القول أن مرحلة العولمة التي يعيشها العالم على امتداد السنوات الأخيرة والتي تعبر عن نفسها في مجالات عديدة، وخاصة على الاصعدة الاعلامية والاقتصادية والثقافية والتكنولوجية والسياسية أيضا، جعلت العالم يتجه بخطى حثيثة نحو مزيد من التضامن والتماسك في مواجهة الأزمات والكوارث الكبرى التي يتعرض لها العالم، سواء كانت أزمات أو كوارث طبيعية أو من صنع البشر، كنتيجة لسياسات أو مواقف أو تطورات وصراعات بين القوى والأطراف الدولية ذات التأثير في عالم اليوم.

وفي هذا الاطار فانه لم يكن غريبا ولا مفاجئا ان تمتد الأزمة المالية الكبيرة، التي تضرب أسواق الأوراق المالية واعدادا متزايدة من الشركات والبنوك الكيانات الرأسمالية في الولايات المتحدة الامريكية وأوروبا وروسيا، بتأثيراتها الى مناطق أخرى في العالم ومنها المراكز المالية الحيوية في شرق وجنوب شرق آسيا. وحتى الأسواق المالية في عدد من الدول الأخرى التي لا ترتبط بعلاقات تعامل واسعة أو مباشرة مع تلك الأسواق المتضررة، فانه يبدو انها هي الأخرى قد تأثرت بفعل ما يجري من تطورات في الأسواق العالمية، التي تلعب دورا حيويا في صياغة وتوجيه حركة الأسواق المالية والاقتصاد العالمي كذلك الى حد كبير.

وفي الوقت الذي يعبر فيه التأثير الواسع للأزمة المالية العالمية عن المدى الذى بلغته العولمة الآن، فان الخطوات التي تم اتخاذها من جانب مجلس الاحتياط الفيدرالة الامريكي - وهو بمثابة البنك المركزي الامريكي - وعدد آخر من البنوك المركزية في أوروبا وبريطانيا وكندا وروسيا وغيرها لضخ مئات مليارات الدولارات في الأسواق المالية بشكل سريع لتطويق الأزمة وللحد من امتداد تأثيراتها السلبية، يشكل في الواقع سمة أخرى للعولمة الاقتصادية التي يعيشها العالم الآن. والأكثر من ذلك ان الاستجابة السريعة والفعالة من جانب الاطراف الدولية المؤثرة للتدخل لتطويق الأزمة يعبر على نحو واضح عن ادراك قوى من جانب تلك الاطراف ليس فقط لمسؤولياتها حيال ما حدث وضرورة التحرك الفعال لمواجهته، ولكن أيضا لضرورة وأهمية التحرك المشترك من جانب مختلف الأطراف المعنية لمواجهة الأزمة والخروج منها بأقل خسائر ممكنة.

ومع التأكيد على ان الأزمة المالية العالمية، و هي الأكثر حدة منذ عدة عقود، هي في المقام الأول مسؤولية السياسات الاقتصادية الامريكية ودعم مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى لها على امتداد السنوات الأخيرة، إلا ان الواقع هو ان احتواء الأزمة والتغلب عليها لا ينبغى ان يقتصر فقط على جهود الدول الصناعية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وذلك لسبب بسيط هو ان الأزمة هي من الضخامة وامكانية الامتداد بحيث تحتاج الى مزيد من الجهود الدول الاخرى لمساندة ما بذل ويبذل من جهود لاحتوائها.

صحيح ان ما يمكن ان تقوم به او تبذله الدول الأخرى على امتداد العالم يظل اقل مما اسهمت او تسهم به الدول الصناعية الكبرى التي تكتوى بنار الأزمة بشكل مباشر، ولكن الصحيح أيضا هو ان الاسهام في احتواء الأزمة المالية العالمية لا يعني بالضرورة ولا يقتصر على ضخ المليارات في أسواق الدول الصناعية وقطاعاتها الاقتصادية.

وفي ضوء ذلك فان الكثير من الدول المتقدمة والنامية يمكنها الاسهام في احتواء الأزمة من خلال العمل السريع والفعال لتحصين أسواقها وانظمتها المالية بشكل او بآخر للحد من تأثيرات الأزمة عليها ولجعلها في حدها الادنى بقدر الامكان. وإذا كانت الاجراءات التي يمكن اتخاذها في هذا المجال هي من مسؤولية البنوك المركزية وهيئات سوق المال والجهات الاخرى المعنية بالاداء المالي والاقتصادي، فان الحقيقة التي تظل قائمة هي انه لم يعد ممكنا لدولة في العالم - في عصر العولمة - ان تغلق ابوابها ونوافذها كما كان يحدث قبل عقود .

وان تعاون كل الاطراف هو السبيل الامثل لمواجهة أزمات لم تعد تعرف حدودا تتوقف عندها.