شيء ما لايعمل كما ينبغي في الاقتصاد الأميركي ويجر معه القطاع المالي الأميركي والعالمي أيضا إلى حالة غير مسبوقة من السوء والتردي.

ففي غضون أيام قليلة شهد العالم أزمة مالية هزت أركان القطاع المالي الأميركي ودفعت بنك ليمان براذرز لإشهار إفلاسه وميريل لينش للاندماج مضطرة مع بنك أوف أمريكا وعملاق التأمين شركة ايه.اي.جي تتدخل الحكومة الأميركية لإنقاذها بقرض حكومي.

وحتي تهييء الحكومة الأميركية لهذه الخطوة فقد استبقتها بإعلان استحواذها علي شركتي الرهن العقاري العملاقتين فاني ماي وفريدي ماك. هذه الخطوات لو حدثت في أية دولة أخري في العالم لرفعت إدارة الرئيس جورج بوش عقيرتها عاليا واصفة إياها بأقذع الأوصاف السياسية وبأنها دولة مارقة أو أنها تنتهج نهجا شيوعيا باللجوء إلى التأميم الصريح لمؤسسات ومفارقتها لاقتصاد السوق وآلياته المجربة.

لكن إدارة بوش فاجأت العالم بتدخلها بالأمس لتفرض مخرجا وخيارات لم تكن موجودة إلا في قاموس الفكر الاشتراكي. وهذا العامل بالذات ما جعل حتي الجمهوريين في الكونغرس يعلنون عدم رضاهم لخطة الحكومة ثم قبلوها علي مضض. ولقد برر الرئيس بوش هذه الخطوة بالقول إنها الضرورة لحل المشكلات التي تواجه أسواق المال.

وقال أيضا يتعين علينا أن نتحرك الآن لحماية القوة الاقتصادية لبلدنا وفي سابقة غير معهودة قال الرئيس الاميركي بالنظر إلى حالة عدم الاستقرار في الاسواق المالية اليوم وأهميتها الحيوية للحياة اليومية للشعب الاميركي فإن تدخل الحكومة ليس فقط مبررا بل أساسي أيضا .

ومن حق الرئيس بوش أن يفعل ما يشاء طالما كان ذلك في مصلحة بلاده أو علي الأقل طالما رأي ذلك، ولكن نحن الذين نتابع باهتمام كبير هذه الكارثة التي في القطاع المالي الأميركي فإن القضية بالنسبة لنا والتي نحرص أن نتوقف عندها أن الدول الأوروبية والدول الكبري بشكل خاص تتحول إلى واعظ ومعلم بالنسبة للدول النامية حينما تواجه الأزمات.

فعندما تنخفض أسعار النفط يذكروننا دوما بأن علينا ترك آليات السوق تعمل، غير عابئين بما تتحمله دولنا من أضرار اقتصادية، وحينما ضربت الأزمة المالية الاسواق الآسيوية نهاية التسعينيات كانت هذه الدول تلقي باللوم علي النظم المالية الفاسدة في دول النمور الآسيوية. والآن تندفع الدولة الأميركية وبكل القوة لكي تحمي القطاع المالي وتؤمم مستغلة أموال دافعي الضرائب.

إن ماجري في أميركا يؤكد علي أن الفساد المالي قد ضرب المؤسسات المالية العملاقة في أميركا والتي جعلت نفسها خارج الرقابة المصرفية مطلقا. وانتهي هذا الفساد المسكوت عنه إلى تداعي تلك المؤسسات وتتساقط واحدة تلو الأخري. وبما أنها مؤسسات تطال تأثيراتها النظام المالي الدولي فإن الأمر ادعي إلى الدعوة لمؤتمر عالمي شامل لمناقشة الوضع المالي في أميركا والعالم علي ضوء هذه الأزمة ويمكن أن يشمل ذلك وضع الدولار الذي هو أيضا مصدر قلق كبير للعالم.