بعد انتظار طويل، وبعد استعدادات وتجهيزات ومحاولات عديدة استأنفت الأطراف اللبنانية الحوار الوطني اللبناني لتعلن السير خطوة أخرى على طريق التقارب والاقتراب من تجاوز معضلات أخرى تعطل عودة الحياة اللبنانية إلى طبيعتها وانطلاقتها المعهودة التي طالما اشتهر بها لبنان الشقيق واستفادت منها مختلف الدول العربية كذلك.

وإذا كان اتفاق الدوحة الذي تم التوصل إليه قبل بضعة أشهر قد فتح الطريق أمام انتخاب الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان، ثم النجاح في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية برئاسة فؤاد السنيورة بعد عمليات شد وجذب عديدة ومتنوعة، فإنه ليس من المبالغة في شيء القول بأن استئناف الحوار الوطني اللبناني يشكل في حد ذاته مؤشرا هاما فيما يتعلق برغبة مختلف الأطراف اللبنانية العمل والسير نحو بناء التوافق الوطني اللبناني وتمتينه على نحو أو آخر والاتجاه نحو حل مختلف المشكلات التي لا تزال عالقة حتى الآن بالنسبة لقضايا عديدة وذات اهتمام أيضا بالنسبة لمختلف الأطراف اللبنانية.

ومع الوضع في الاعتبار ان التطورات والأوضاع على الساحة اللبنانية تتأثر إلى حد كبير بعدد من العوامل اللبنانية والإقليمية والدولية تتفاعل جميعها لدفع الأوضاع في هذا الاتجاه أو ذاك، فإنه لم يكن مصادفة على أي نحو ان تشهد الآونة الأخيرة حدوث عدة محاولات لإثارة عدم الاستقرار على الساحة اللبنانية وإعادة عجلة الحياة اللبنانية إلى الوراء من خلال التفجيرات المجهولة وعمليات الاغتيال التي تنسب إلى مجهول والمصادمات المسلحة التي تحمل بذور الفتنة الطائفية البغيضة والتي دفع اللبنانيون ثمنها غاليا على مدى سنوات طويلةمن حاضرهم ومستقبل حياتهم.

نعم قد يكون هناك طرف أو اكثر، في هذا الجانب أو ذاك لا تسعده بوادر الاتجاه إلى الوفاق بين الاطراف اللبنانية، ومن ثم يريد ان تظل لبنان رهينة الخلافات والانقسامات والتجاذبات التي يتم في العادة النفاذ من خلالها لخدمة مصالح إقليمية أو دولية، هي دوما على حساب المصلحة الوطنية اللبنانية. غير انه يبدو أن ما تظهره القوى اللبنانية الرئيسية والفاعلة من إرادة للسير نحو حل الخلافات اللبنانية أكبر وأقوى من محاولات التعويق أو إثارة الصعوبات، حتى الآن على الأقل ، وهو ما سمح بامكانية استئناف الحوار وطرح القضايا المختلفة على مائدته.

وإذا كان السياج الشعبي والجماهيري اللبناني يدفع ويؤيد ويعزز الجهود المبذولة لاستئناف الحوار الوطني اللبناني وإنجاحه أيضا كما هو مأمول، فإن ما يبعث على الأمل في الواقع هو ان تحركات عملية جادة حدثت خلال الأيام الأخيرة، ليس فقط من أجل تطويق محاولات التفجير في شمال لبنان وفي المخيمات الفلسطينية فيه واحتواء محاولات هز الاستقرار واحراج الدول اللبنانية، ولكن أيضا من أجل التقريب وبشكل ملموس بين بعض الأطراف اللبنانية سواء في جبل لبنان أو بين حزب الله والحزب التقدمي الاشتراكي الذي يتزعمه وليد جنبلاط.

وتتمثل أهمية هذه الخطوة تحديدا في انها تنهي تداعيات وسلبيات ما حدث في الفترة الماضية وخاصة قبيل تشكيل الحكومة اللبنانية، وهو ما يسهم في تمهيد الطريق للنجاح في الحوار اللبناني.

وفي الوقت الذي لا يمكن فيه التقليل لا من أهمية، ولا من صعوبة القضايا موضع الخلاف بين الفرقاء اللبنانيين، خاصة مع الاعداد للانتخابات التشريعية اللبنانية القادمة، الا ان الرهان هو على رغبة اللبنانيين في العيش معا في لبنان وفي ان يكون لبنان لكل اللبنانيين دون اقصاء أو استئثار أو سيطرة غير مشروعة على مقدرات الدولة اللبنانية وتجييرها لصالح فريق دون آخر.

ولعل الأشقاء في لبنان يتجاوزون بحوارهم كل ما يعطل مسيرتهم رغم كل محاولات التعطيل المنظورة وغير المنظورة.