العنوان العريض الذي يلخص ما يجري حالياً في العراق ولبنان والصومال وأفغانستان وجورجيا هو إفلاس سياسة الرئيس الأميركي، فعلى أرض هذه البلاد الموزعة على قارات ثلاث واتجاهات أربعة تتحطم أحلام جورج بوش وتتحول سريعاً إلى أوهام.
وتنكشف معها تكتيكات القوى العظمى في عالمنا المعاصر واستراتيجياتها، وتسقط كل الأقاويل والتحليلات التي أطلقتها بعض مراكز الدراسات والأبحاث الأميركية التي تخدم المحافظين الجدد، ويتأكد للجميع أن الأيديولوجيات المتطرفة تجني دوماً على الأنظمة والدول في كل زمان ومكان.
لقد ظنت الولايات المتحدة الأميركية بعد أن أنهت حقبة الحرب الباردة لصالحها بانهيار الاتحاد السوفييتي أن العالم بات رهناً لإرادتها، وأن بوسعها أن تفعل أي شيء في أي منطقة، وليس أمام الآخرين من قرار أو خيار سوى الانصياع.
وأعمت الأيديولوجيا الدينية المسيحية اليمينية المتطرفة بوش ومن يتحلقون حوله من صانعي السياسة الخارجية الأميركية عن الكثير من الكتابات والدراسات التي تحدثت عن «حدود القوة»، والتي أنتجها علماء سياسة بالولايات المتحدة ذاتها، ونشر بعضها في الدوريات السياسية والاستراتيجية الشهيرة.
فأصوات هؤلاء وإيماءاتهم وإشاراتهم راحت أدراج ريح التصورات السياسية الجامدة، ومصالح المركب الصناعي ـ العسكري الأميركي، التي تجب كل ما عداها، وتخطف سياسة دولة كبرى، وتوجهها لصالحها، مستظلة بآلة دعائية تطلق الأكاذيب المدروسة لتضلل الشعب الأميركي، فيتحمس لما يفعله المحافظون الجدد أو على الأقل يصمت عنهم.
وينصرف إلى تدبير شؤون حياته اليومية، مطمئناً إلى معيشته المادية المريحة، ومستسلماً لكل ما يثار ويذاع ويشاع عن «مكافحة الإرهاب» و«منازلة الإرهابيين في عقر دورهم» و«نشر القيم الديمقراطية في العالم المستبد أو الشمولي»، باعتبار كل هذا يشكل حرباً استباقية تروم الدفاع عن المصالح العليا للولايات المتحدة وعن مستقبل هذا البلد الكبير، الذي تهدده أفاعيل الإرهابيين، الذين تمكنوا من تنفيذ حدث الحادي عشر من سبتمبر الشهير.
واستغل الفريق الذي يلملم أوراقه الآن من البيت الأبيض هذا الوضع في إطلاق الجبروت العسكري الأميركي نحو أطراف عديدة في الأرض، فغزت أميركا وحلفاؤها أفغانستان وأسقطت طالبان، فتشتت تنظيم القاعدة في البلاد، ثم أقامت قواعد عسكرية في آسيا الوسطى والقوقاز على مرمى حجر من نفط «بحر قزوين» .
وعلى حساب المصالح الحيوية لروسيا التي ورثت أغلب تركة المنافس القديم الاتحاد السوفييتي، وبعدها اجتاحت الولايات المتحدة ومساندوها العراق وأزاحت صدام حسين عن الحكم، وهددت بغزو سوريا وكانت على وشك أن تفعل ذلك لولا توعكها على أرض الرافدين، ثم أوعزت إلى إثيوبيا لتجتاح الصومال وتسقط المحاكم الإسلامية في حرب بالوكالة مكشوفة لا تخفى على أحد.
وعلى التوازي كان حلف شمال الأطلسي «الناتو» يتمدد شرقاً ويتوسع في أوروبا الشرقية والبلطيق، ليقضم المجال الحيوي لروسيا، وكانت العديد من أجهزة الاستخبارات والأمن في العالم تتعاون مع واشنطن خوفاً وطمعاً، على خلفية «مكافحة الإرهاب».
ولم تكتف إدارة بوش بذلك بل راحت تحرض بعض الدول التي كانت منضوية تحت لواء الاتحاد السوفييتي السابق ضد موسكو، ووصل الأمر إلى الإيعاز لجورجيا باجتياح أوسيتيا الشمالية، في اختبار فاضح لإرادة روسيا، وإحراج بالغ لها.
لكن بوش الذي ظن أنه قد فرض ما يريد وأن العالم قد بات ملك يمينه ينهي فترتي حكمه بحصاد الهشيم، فالعراقيون امتصوا صدمة سقوط بغداد، واستفاقوا وانتظم فريق منهم في جماعات وفرق مقاومة، ودخلوا في نزال حقيقي ومرير ضد قوات الاحتلال فأرهقوها وألقوا بها على أبواب هزيمة تاريخية.
وحركة طالبان لم تلبث أن جمعت شتات نفسها، ونظمت فلولها ورتبت صفوفها، ثم بدأت في ضغط منظم على قوات الاحتلال، استعادت به بعض الأراضي التي فقدتها، وجعلت المحتلين يتساءلون عن صواب قرارهم بإبعاد قبيلة «البشتون» التي تنتمي طالبان إليها من صدارة الحياة السياسية في أفغانستان، وعن مدى معقولية قرار تعيين حامد قرضاي رئيساً للبلاد.
والمحاكم الإسلامية الصومالية استردت بعض عافيتها وزحفت من جنوب البلاد، فسقطت بعض المدن تحت أقدام ميليشياتها، وأخذت تهاجم القوات الإثيوبية، وتنزل خسائر ملموسة في صفوفها، وتجعلها تعيد حساباتها، وتفكر في جدوى احتلالها لأرض الصومال.
وفي لبنان اعترف الفريق الذي ساندته واشنطن أن الأميركيين يتخلون عن حلفائهم بسهولة، ولا يقدمون لهم الدعم اللازم الذي يمكنهم من الانتصار. وقد عبر وليد جنبلاط أحد رموز تيار 14 آذار عن هذا الأمر بجلاء حين هاجم تراخي بوش عن الوقوف بجانب «الأغلبية النيابية» وعدم تقديمه دعماً قوياً يناسب التحدي الذي تواجهه، بينما كان تيار المعارضة يلاقي دعماً قوياً من حلفائه سوريا وإيران، جعله يفرض شروطه.
وفي جورجيا لقنت روسيا حلفاء واشنطن درساً لا ينسى، حين ردت الهجوم على أوسيتيا واحتلت أراضي جورجية، ولوحت بإمكانية إسقاط النظام الحاكم في تبليسي، بينما اكتفت الولايات المتحدة بالمساندة الكلامية والدبلوماسية.
ثم بلعت لسانها ووقفت عاجزة أمام استعادة موسكو زمام الأمر، وقيامها باستعراض قوتها، وإرسال رسائل بليغة إلى أميركا وحلفائها بأن روسيا لا تزال بوسعها أن تدافع عن مصالحها الحيوية، وترد بقوة وحسم على من يهدد أمنها.
وزاد الطين بلة ظهور أنظمة حكم معادية لواشنطن في أميركا الجنوبية. وهذا الهجوم المضاد من كل القوى والأطراف المستهدفة من الهجمة الأميركية التي أعقبت حدث 11 سبتمبر، جعل أهداف إدارة بوش من استغلال هذا الحدث تتساقط واحداً وراء الآخر، فلا أمن إسرائيل قد تحصن أكثر.
لاسيما بعد هزيمتها من حزب الله في الحرب التي نشبت في صيف عام 2006، ولا صورة أميركا قد تحسنت في العالم، ولم تنجح واشنطن في إيجاد أنظمة ديمقراطية مستقرة منجزة في العراق وأفغانستان، ولا العالم أصبح أكثر أمناً، وباتت مصالح الولايات المتحدة مهددة أكثر.
ليسدل الستار على إدارة بوش وهي تعض أصابع الندم على تعجلها واندفاعها المتهور والمهووس لاستعراض القوة، وإعادة العالم إلى الشكل القديم من الاستعمار الذي كانت البشرية تظن أنها فارقته إلى الأبد. وبالطبع فسيزداد هذا الندم حين يفقد الجمهوريون كرسي الرئاسة، وينكشف النقاب عن المصالح الحقيقية التي دفعت بوش إلى اتخاذ كل هذه القرارات الهوجاء.
كاتب وباحث مصري : ammaralhas@hotmail.com
