عندما نبدأ في قراءة نتائج وتداعيات حرب القوقاز،سنجد أن تصريحات رئيس الحكومة الروسية فلاديمير بوتين تدعو لتهدئة التوتر وتجنب تصعيد الصدام مع الغرب،حيث يحاول بوتين اقناع الرأي العام الغربي بأن خطط واشنطن تستهدف عمليا ضرب روسيا.
وهو ما لا يمكن أن تتخذ الدولة الروسية تجاهه موقف المتفرج،ساعيا لتجنب تصعيد التوتر،ومبررا إجراءات روسيا بوجود خطوط حمراء لا يجب أن يتجاوزها الآخرون. وجاءت تصريحات الرئيس مدفيدف لتضع الصورة بشكل ملموس.
حيث إعلان مدفيدف عن استعداد روسيا على مواصلة تعاونها مع الولايات المتحدة، وفى نفس الوقت ابلغ واشنطن بأنه مهما كانت صلات جورجيا معكم قوية فأن هذه الصلات لا تسمح لها بالقيام بأعمال عسكرية خارج الحدود المسموح بها دوليا.
استطلاعات الرأي العام في روسيا كشفت عن موقف معاد للغرب والناتو في مختلف قطاعات المجتمع الروسي، وقد تبين أن أغلبية المواطنين يعتبرون الناتو منظمة عسكرية تهدد أمن بلادهم، وان القرار في هذا المنظمة يسيطر عليه الأميركيون.
ولا يوجد أي تأثير أو دور أوروبي، ويبدو أن هذه القناعة أدت لحالة من الحنين لأيام الحرب الباردة التي اعتمدت مبدأ الردع المتبادل،حيث أن هذا المبدأ ضمن حالة من الاستقرار وأدى للإحساس بالأمن،إلا أن المجتمع اليوم فقد الإحساس بتوفر الأمن مع بداية عهد يلتسين، عندما تم التخلي عن التسليح الاستراتيجى.
وكان لابد أن تثير حالة التوتر التساؤلات عن عودة الحرب الباردة مرة أخرى، ويعتقد العديد من الباحثين أن تفاقم الصراع على مناطق النفوذ في العالم، لابد وان يهدد السلم العالمي، باعتبار أن هذا الصراع بدأ يأخذ أشكالا عسكرية وصدامات مسلحة، ويهدد توسع الصراع العسكري بدمار واسع بل وبفناء البشرية أذا استخدم السلاح النووي فيه، ما يعنى أن الواقع القائم لا يختلف عن مرحلة النظام ثنائي القطبية.
إلا أن المسألة في ظل سيادة ووحدانية النظام العالمي تختلف بشكل جذري، لأن مفهوم الحرب الباردة يستند لوجود نظامين مختلفين يخوضان الصراع بحذر،لأن الصراع يمكن أن يهدد وجود كل منهما،لذا يحرص كل نظام على حماية كيانه دون التورط في صدامات مدمرة لا تتوفر فيها ضمانات بقائه.
لذا يأخذ الصراع طابع الحرب الباردة التي تدور في بؤر مختلفة، وتستخدم أدوات مختلفة منها الإنهاك الاقتصادي، والضغط السياسي، أما الصراع الحالي فهو ضمن نظام واحد ووحيد وتتصارع المراكز ضمن هذا النظام على السيطرة على الثروة والنفوذ، ما يقوى النظام ولا يهدد بانهياره.
وما قد يؤدى لاختلاط الرؤية هو استخدام نفس الأدوات السابقة في الصراع الحالي، مثل سباق التسلح لأنهاك اقتصاد الخصم، تفجير بؤر التوتر لتجنب امتداد ويلات الحرب إلى أراضي الخصوم المتصارعين، إلا أن تصنيف وتقييم الصراع لا يقوم على ملامحه، وإنما على دوافعه وجوهره.
مما لا شك أن الصراع الدائر حاليا هو صراع مراكز نفوذ في العالم، ويحمل طابع تناحري ويمكن أن يصل إلى مرحلة الصدام المدمر، لأنه لا يشكل خطرا على مصير النظام العالمي السائد، وإنما يهدد الطرف الأضعف، لأن قانون النظام الجديد هو البقاء للأقوى، استنادا لقوانين الاصطفاء الطبيعي.
مما لاشك فيه أن قرار موسكو في خوض هذا الصراع بكافة أشكاله كان صائبا، حتى لو اضطرها للدخول في صدامات عسكرية،لأن الولايات المتحدة في الجولة الأخيرة في القوقاز كانت تجر روسيا لصراع تناحري لإنهاء نفوذها وتصفية مصالحها.
وبالتأكيد قرار روسيا تكمن أهميته في انه بدأ في تدمير مشروع القطب الواحد المسيطر على مصير العالم، ولكن يجب أن لا ننسى أن تعددية القطب ستكون ضمن النظام العالمي الجديد، وان هذا الصراع لا يقدم للبشرية مشروعا جديدا ورؤية أكثر اتساعا من منطق الربح والخسارة والبيع والشراء.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني : vladi1949@mail.ru