في التاسع عشر من شباط ‏1986‏ ألقى عاهل الاردن الراحل الملك حسين خطابا شكك فيه بجدوي تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات للشعب الفلسطيني وقدرتها على تحقيق طموحاته واسترداد حقوقه المشروعه‏,‏ وبرغم أن طرح الملك حسين كان له دوافع داخلية تتلامس مع أفكار ترى حل القضية الفلسطينية شرق نهر الاردن ‏(‏ الوطن البديل‏)‏ الا أنه يبقى من هذا الطرح أن ماكان مجرد أعراض مع قيادة حركة فتح للمنظمة عام‏1986‏ أصبح مرضا عضالا مع حركة «حماس» في عام ‏2008‏ وما حسمته القمة العربية بالرباط عام‏1974‏ باعتبار المنظمة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني عاد مع «حماس» بعد‏34‏ عاما مسألة خلافية فلا باتت حركة فتح صالحة من الناحية السياسية والاخلاقية لتمثيل الشعب الفلسطيني ولا صارت «حماس» من الناحية السياسية والقانونية صالحة لتمثيل الشعب الفلسطيني‏.‏

فقد أبرمت «حماس» اتفاق تهدئة مع اسرائيل واستخدمت السلاح لحسم صراعاتها في الداخل مع حركة فتح والسلطة وللسيطرة على قطاع غزة‏,‏ فلا هي استمرت حركة مقاومة مشروعة ضد الاحتلال ولا هي أصبحت حكومة ترعى مصالح شعبها وتتفاوض لتحقيق حقوقه المشروعة‏,‏ في اطار اتفاق اوسلو الذي عبرت من خلاله الى السلطة التشريعية والتنفيذية وقسمت الوطن المحتل أساسا وأعادت أنتاج مسألة التمثيل الفلسطيني لتعيد القضية الى المربع رقم صفر‏.‏

كانت المنظمة اكتسبت حق تمثيل الشعب الفلسطيني منذ قيامها عام‏1965‏ وحسمت القمة العربية الأمر عام‏1974‏ وبعد قرار قمة الرباط توالت الاعترافات بالمنظمة من الأمم المتحدة ومؤسساتها وأوروبا في بيان البندقية عام‏1980‏ ثم الاعتراف الامريكي عام‏1988‏ وإعلان الملك حسين في نفس العام فك الارتباط بين الاردن والضفة الغربية منهيا الالتباس في التمثيل الفلسطيني وملقياً بالقضية في حجر المنظمة التي اعترفت اسرائيل بها في أوسلو‏1993.‏

خلال‏34‏ عاما ضرب الفساد المنظمة وحركة فتح كبرى فصائلها وتجلى ذلك في تدهور مستوى الاداء السياسي والنضالي بممارسات بعض قادتها المالية واستثماراتها الخارجية وتوظيف المال لشراء الولاءات وبحشر القضية والتوسط بها في نزاعات اقليمية بدعم نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في الحرب ضد ايران‏(80‏ ـ‏1988)‏ وفي النزاع مع الكويت واحتلالها عام‏1990‏ وبالتفاوض سراً مع الاسرائيليين خارج اطار عملية مدريد ما أفضى الى اتفاق ‏(‏ أوسلو‏)‏ أقل من كامب ديفيد‏1978 ,‏ ومن طموحات الشعب الفلسطيني‏,‏ وصفه الرئيس الفلسطيني محمود عباس‏(‏ أبو مازن‏)‏ في حينه بأنه سيقود الفلسطينيين إما الى دولة وإما الى كارثة‏!!‏ وانتهت المنظمة تحت قيادة فتح بممارساتها أيضا بعد قيام السلطة في غزة وأريحا عام‏1994‏ ـ الى الكارثة وإلى نعتها بأنها أفسد حركة تحرر وطني في التاريخ‏.‏

فقد ضخت الممارسات الفتحاوية الدماء في شرايين «حماس» الى أن فازت الحركة في انتخابات المجلس التشريعي في كانون الثاني‏2006‏ وحدثت تصدعات في وحدة الشعب وتم اشعال الفتن والحروب العائلية واستخدام السلاح كأداة من أدوات القهر والاخضاع بدعوى اجهاض مشروع الخصم السياسي‏ للتسويه وصولا الى السيطرة على القطاع في حزيران ‏2007‏ وباتت الاتهامات بالخيانة والعمالة من مفردات الخطاب السياسي اليومي لقيادات الحركة وكوادرها وتلاشى الاهتمام العربي بالقضية المركزية فيما تتبدد طموحات وحقوق الشعب الفلسطيني بربط القضية بمشاريع أطراف إقليمية وباصطناع أزمات على الدولة الحاضنة للقضية‏(‏ مصر‏)‏ من دون أن تطرح مشروعا ممكنا للتسوية‏.‏

بددت حركتا «فتح» و«حماس» بسلسلة من الأخطاء والممارسات المتتابعة تضحيات الشعب الفلسطيني وكفاحه وبات الشعب داخل الحصار الاسرائيلي محاصرا بالصراع بين «فتح» و«حماس» حتى أصبح البعض يجد في اسرائيل ملاذا آمنا في مشهد يلخص درجة أعلى من العبث في مسيرة حركة تحرر وطني تخلت عن مقاومة الاحتلال لكي تدفع بشعبها اليه؟‏!‏

تقدم «حماس» ـ ومن قبلها فتح ـ أهم ورقة لاسرائيل لكي تمارس التسويف وهي من يمثل الشعب الفلسطيني؟ ففي كانون الثاني المقبل تنتهي ولاية الرئيس ابو مازن رئيساً للسلطة وتؤشر الاوضاع في غزة الى صعوبة اجراء انتخابات رئاسية جديدة وتشكيك حماس في شرعية استمرار أبو مازن في حالة ايجاد حل قانوني لاستمراره رئيساً للسلطة وهو أمر وارد لا سيما أن لديها الرئاسة الثانية ـ المجلس التشريعي‏,‏ وافراج اسرائيل عن رئيس المجلس وأعضائه المنتمين للحركة أمر وارد أيضا لتعميق الازمة واحتمال قبول «حماس» بتبكير إجراء انتخابات تشريعية جديدة بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية بعيد والنتيجة مقروءة من الآن‏..‏

بند جديد على جدول أعمال الصراع الحمساوي ـ الفتحاوي عنوانه من يمثل الشعب الفلسطيني ولديه شرعية التفاوض والتوقيع على اتفاق للتسوية؟

تستدعي المسئولية التاريخية والاخلاقية أولا من جانب حركات التحرر الوطني إجراء حوار داخلي ومراجعة لتصحيح أخطائها فالتجربة التاريخية تثبت أن المنظمات الايديولوجية مثل «فتح» و«حماس» تصحح نفسها من داخلها وليس بضغوط خارجية تدفع الى مزيد من التشدد‏.‏ وتقتضي المسئولية أيضا أن يفك الرئيس أبو مازن ارتباطه بحركة «فتح» لانجاح حوار وطني من موقع الحياد.

المسئولية تقتضي ثانيا تدخلا مصريا وعربيا حازما وحاسما يتجاوز مجرد رعاية حوار وطني الى طرح مشروع للوفاق الوطني وجدول أعمال لمسار التسوية ولا نبالغ اذا قلنا أن هذا هو الانجاز الاهم لمصر ولما يسمى بـ قوى الاعتدال في المنطقة بعد نجاح الوفاق الوطني في لبنان عبر الدوحة ونقل ملف الحوار الوطني في السودان لحل أزمة دارفور الى الدوحة أيضا‏,‏ فمصر قدمت تضحيات كثيرة من أجل فلسطين والمائة ألف شهيد مصري في الحروب مع اسرائيل لم يستشهدوا من أجل ان تنتهي القضية نزاعا بين مشعل وعباس أو بين هنيه ودحلان‏.‏

المسئولية تقتضي ثالثا‏..‏حلا لا يسمح بهيمنة فتح على القرار الفلسطيني ولا بخطف «حماس» القرار الفلسطيني‏..‏وجهدا يستوعب أن انهيار اتفاق مكة المكرمة في شباط ‏2007‏ جاء بسبب من انهارت مصالحهم نتيجة هذا الاتفاق فعملوا على تدميره‏...‏ وعملا لايستدعي من الماضي أفكارا مثل ارسال قوات عربية‏..‏ وعقلا لا يعجز عن خلق أفكار جديدة‏.‏