ما جاء على لسان جاك ضيوف المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) في روما أمس من أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع في العالم ارتفع من 850 مليون إلى 925 خلال 2007 بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، يدق ناقوس الخطر من تحول الجوع إلى سلاح يفوق كل أسلحة الفتك بالحياة البشرية والطبيعية في العالم، في الوقت الذي تمثل فيه أجواء الاستقرار والأمن والطمأنينة مطلبًا مُلِحًّا لكل الشعوب، وتأتي تلبية متطلبات الإنسان من مأكل ومشرب ومسكن وتوفير كافة مستلزماته الضرورية في مقدمة الأسباب المؤدية إلى الاستقرار.

وحسب جاك ضيوف فإن مؤشر (فاو) لأسعار المواد الغذائية يفيد بارتفاع يقدر بحوالي 12% خلال 2006 مقارنة بالسنة السابقة و24% خلال 2007 و50% خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة الحالية، ويعزو المحللون والمتابعون هذه الارتفاعات المطردة إلى ما يشهده العالم من تقلبات في أسعار النفط وتغيرات مناخية، وهي حقيقة ثابتة، إلا أنه لا يعني إغفال بعض الجوانب الأخرى من السياسات التي يمكن أن توصف بالأنانية وغير الأخلاقية، والتي ساهمت في تفاقم الأزمة الغذائية واستفحال ظاهرة الغلاء ويأتي من ضمنها عمليات المضاربة بأسعار النفط في الأسواق العالمية وإضعاف قيمة الدولار، والزراعات المخصصة لإنتاج الوقود الحيوي لتطوير مادة الإيثانول والديزل الحيوي المصنوع من قصب السكر أو الحبوب من قبل بعض الدول المنتجة التي يعتمد على إنتاجها عدد كبير من الدول الفقيرة في استيراد احتياجاتها الغذائية.

وكذلك تراجع مساعدات الدول الغنية للشعوب الفقيرة، ما تسبب في وجود نقص كبير من المعروض في الأسواق وعدم قدرة المؤسسات الإنسانية والبرامج الغذائية العالمية على تغطية احتياجات الجوعى، أضف إلى ذلك مئات مليارات الدولارات التي تنفق على شراء الأسلحة وتخزينها أو استخدامها لقتل البشرية عبر حروب تقف وراءها المصالح الاستعمارية وأحلام السيطرة على حساب الحياة البشرية والطبيعية، ولا تزال رياح الأرض الأربع تسجل تساقط آلاف البشر جراء سياسات عشاق الدم والدمار، إذ لا تزال بقاع شتى في المعمورة تدفع فاتورة سياسات الظلم والقتل والسيطرة سواء على الصعيد السياسي والاقتصادي أو الأمني.

فعلى سبيل المثال، وحسب دراسة أجرتها منظمة "اوكسفام" الإنسانية وشبكة العمل الدولية بشأن الأسلحة الخفيفة ومنظمة "سيف وورلد" غير الحكومية ونشرتها منظمة "اوكسفام" منذ فترة قريبة فإن النزاعات التي جرت من 1990 إلى 2005 في 32 بلدًا إفريقيًّا كلفت نحو 300 مليار دولار، وهذه الأرقام الضخمة لو تم توظيفها في مشاريع تنموية تعود بالخير الوفير والنفع العميم على شعوب القارة، لكان الحال مغايرًا لما نشاهده الآن، ولارتقت أوضاع الشعوب وتحولت إلى اكتفاء ذاتي يجنبها ويلات الجوع والمرض والفقر والجهل وممارسات بعض الدول الكبرى ذات النزعة الاستعمارية.

إن الأرقام التي أوردها المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة قابلة للزيادة ما لم تتخلص الدول الغنية والمنتجة من الأنانية وسياسة الابتزاز ضد الدول الفقيرة، فشعوب العالم اليوم بحاجة ماسة إلى سلام يبعث روح المودة والإخاء والاستقرار ويحقق الرخاء، وهذه لا تتوفر في سياسة التجويع.