أثار ترشيح باراك اوباما للمنصب الرئاسي الأميركي حماساً في القارة الأوروبية القديمة لم تشهده، ربما، منذ الحملة الرئاسية لجون كنيدي في مطلع عقد الستينات الماضي .وعند الحديث في أوروبا عن اوباما يتم «التعريج» غالبا على ذكر كنيدي.
ولم تتردد أوروبا الإعلامية، لكن أيضا السياسية والثقافية، في التعبير عن دعمها وتمنياتها الصريحة بفوز اوباما في انتخابات شهر نوفمبر القادم. باختصار برزت «نغمة» أوروبية داعمة لـ «اوباما الجميل» أطلقوا عليها تسمية ال«اوبامانيا» التي شاعت حتى في بريطانيا الداعمة تقليديا للرئيس الأميركي المنتخَب وليس لأي مرشّح. ولعلّه ليس من المبالغة القول ان الأوروبيين قد ألبسوا رغبتهم ثوب«الواقع المعاش»وتعاملوا مع الانتخابات الرئاسية الأميركية وكأن المسألة محسومة لصالح «مرشحهم» المفضّل. لا شك أن الأوروبيين، بأغلبيتهم، يريدون الانتهاء من إرث إدارة بوش ومن «البوشية» التي اعتبرت أن العالم يدور حول «القطب»الأميركي وحده دون «شريك». وليس بعيدا عن التعاطف الأوروبي مع اوباما موقفه الواضح ضد الحرب في العراق بينما صرّح ماكين أنه ليس ضد اسمرارها قرنا كاملا إذا «استدعى الأمن القومي الأميركي والعالمي ذلك».
وبدا اوباما للأوروبيين أنه ذلك الذي يمكن أن يفتح آفاقا جديدة في العلاقات الدولية وعلى العلاقات بين ضفتي الأطلسي بينما يبدو أفقها بالأحرى «مغلقا» مع ماكين.اوباما يعني التجديد بالنسبة للأوروبيين بينما يعني ماكين الاستمرارية على النهج السابق إلى هذه الدرجة أو تلك، مهما تغيّرت الواجهات دون تغيير المضامين .
إن أغلبية الأوروبيين، وعلى الأرجح غالبية غيرهم،كما تدل مؤشرات كثيرة، يتمنون أن يخلف باراك اوباما جورج دبليو بوش على رئاسة القوة الأعظم في عالم اليوم. لكن الناخبين الأميركيين، وهم وحدهم، أصحاب القرار، وهذا ما قد ينساه كُثر أو ربما على الأغلب يجهلون الواقع الانتخابي الأميركي .
وإذا كانت استطلاعات الرأي معرّضة ل«التكذيب» من قبل صناديق الاقتراع فإنها عامة ذات قيمة دلالية حول توجه الرأي العام المعني بها في لحظة معينة. وبعد أن كانت لفترة طويلة تشير إلى تقدّم اوباما على ماكين أظهرت في الآونة الأخيرة تأرجحاً في تحديد الفائز بين المرشحين.
هناك إذن تغير عرفته الأيام الأخيرة في توجه الناخبين الأميركيين أشار إليه العديد من المعلّقين وأثار حالة من القلق لدى أوسع الشرائح السياسية «الرسمية وغير الرسمية» في أوروبا من «شبح» ماكين. وبدا أن هناك «قصر النظر» الكبير في فهم المشهد الانتخابي ل«أميركا العميقة» . مهما يكن من أمر قد يمكن إعادة التغير الذي أظهرته استطلاعات الرأي إلى ثلاثة عوامل رئيسية.
*العامل الأول هو نجاح المرشح الجمهوري جون ماكين في الابتعاد عن تحمّل مسؤولية الإرث «المأساوي» لسنوات جورج دبليو بوش وإدارته، خاصة على صعيد السياسات الداخلية التي تعبئ الناخبين الأميركيين. ولم يكن من قبيل المصادفة بقاء الرئيس بوش «على مسافة» من الحملة الانتخابية الرئاسية مما أعطى الإحساس أن ماكين هو نفسه إلى حد ما «ضد بوش» مثل الآخرين. وهذا يمنحه أصوات بعض الأنصار التقليديين للمعسكر الديمقراطي المناوئين لبوش وإنما «المتحفّظين» أصلا حيال المرشح اوباما.
*العامل الثاني هو اختيار سارة بالين لمنصب نائب الرئيس الأميركي في حالة فوز الجمهوريين في الانتخابات القادمة . ذلك أن القيم التي ترفعها، والتي قد لا تخلو من الخطورة على الديمقراطية الأميركية ذاتها تعبئ شرائح مهمة من «المترددين». إنها تجيد العزف على ما«يُطرب» الأميركي العادي حول ضرورة التمسك بالأخلاق والدين والمحافظة على الأسرة ومناهضة الإجهاض وشعارات أخرى كثيرة تذهب كلها في الاتجاه المحافظ السائد في المجتمع الأميركي اليوم.ويبدو الثنائي ماكين«العاقل المجرّب» ـ بالين «الشابة النشيطة» والتي تصغر اوباما بثلاث سنوات ذا مصداقية بنظر الكثيرين بالمقارنة مع الثنائي «الديمقراطي».
و«لا يرى» الأميركي العادي أن سارة بالين ذات معلومات متواضعة جدا في فهمها للعالم الخارجي ولم تعرف طيلة حياتها أي بلد آخر سوى كندا والمكسيك المجاورتين المتاخمتين للولايات المتحدة ، كما صرّحت في مقابلة أجرتها معها قناة «آ.بي.سي» التلفزيونية في الأسبوع الماضي.
وكانت قد قامت مؤخراً، بصفتها مرشحة لمنصب نائب الرئيس، بزيارة الجنود الأميركيين في قطر وألمانيا. إن إجاباتها في نفس البث التلفزيوني كانت غائمة و«أكثر» حول العراق وإيران وحول روسيا التي لم تستبعد «إمكانية» شنّ هجوم أميركي عليها إذا اجتاحت بلدا آخر مجاور لها بعد جيورجيا.
*العامل الثالث هو تنشيط دور بعض مجموعات الضغط وعلى رأسها «الإنجيليين» الذين حسموا أمرهم ، بعد تردد، وبعد تسمية بالين، وقرروا دعم ماكين.أصبح الإنجيليون يشكلون أحد «المفاتيح» الأساسية في تحديد نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية . كان ذلك هو الدرس الرئيسي لانتخابات عام 2004.
والسؤال الذي يطرحه الأوروبيون على أنفسهم اليوم هو:هل يمكن أن يفوز ماكين؟.
الإجابة الرئيسية المقدّمة تقول بالخط العريض أن فوزه يتعلّق بمدى قدرة الأميركيين على التمييز بين الواقع و«الوهم». وذلك بمعنى أن ثنائي ماكين ـ بالين وفريقهما يسوّقون للأميركيين «أوهاما»على أنها «مبادئ»حول الأسلحة والتسلّح وتهديدات الأمن القومي لأميركا ومكانتها في العالم وخطورة تعليم نظريات داروين في المدارس. أي عامة عبر التركيز على مسائل ليس لها تأثير مباشر على الحياة اليومية وفرص العمل والضمان الصحّي والضرائب وغير ذلك مما يمسّ الأميركيين مباشرة.
وسؤال الأسئلة :هل سينطلي الأمر على الأميركيين؟.
ما يمكن قوله هو أن غالبية الأميركيين الذين سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع في مطلع نوفمبر القادم هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك قبل أربع سنوات.الموجة عارمة، فهل يستطيع اوباما أن يعكس اتجاهها ويحقق «حلما»، وليس«وهما»، التغيير الأميركي؟!.
الأوروبيون ينتظرون بقلق .... والعالم معهم، فالكلّ معنيون.
كاتب سوري

