سقوط 12 قتيلاً فلسطينياً في قطاع غزة برصاص فلسطيني، في خلال ساعات وفي معركة تصفية حسابات؛ لا يمكن فهمه ولا تبريره. ناهيك بقبوله. بصرف النظر عن حيثياته وملابساته. ليس فقط لأن الحصيلة بالأرواح مروّعة. بل أيضاً لأن سفك الدم الفلسطيني، بأيدٍ فلسطينية وبهذا الحجم؛ يقدم هدية مجانية لإسرائيل، المرتاحة كل الارتياح للصراعات الفلسطينية المتواصلة والمتعمقة، منذ حوالي سنة ونصف.
خاصة وأنها ليست المرة الأولى التي تحصل فيها مثل هذه الجولة الدموية التصفوية، بين الاخوة. وفي القطاع بالذات. سبقتها تصفيات بين فصائل وعائلات وقوى؛ كان محورها المركزي الصراع على النفوذ. سقط خلالها عشرات القتلى.
القضاء على ما يسمّى مربعات أمنية، أدّى إلى تفريخ أخرى بدلاً عنها. والدوامة مستمرة. كان من المفترض أن يتوقف النزف في فترة الهدنة. إسرائيل، لحساباتها ارتضت بها مؤقتاً. وإذا بأهل البيت يصوّبون، من جديد، البنادق إلى صدور بعضهم؛ ويسقط في جولة واحدة، أكثر مما كانت تحصده الآلة العدوانية الإسرائيلية في عدة طلعات. وكأن قدر غزة أن تبقى نازفة على طول الخط. والمفجع زيادة أن المواجهة، هذه المرة، حصلت في عزّ شهر الصوم الفضيل.
وفي ذلك مدلول خطير. وكأن اعتبارات الحسم بالقوة، في هذه الساحة، لم يعد يقف في طريقها أي اعتبار. وبالتالي صارت أولوية مطلقة. من التعليلات التي صدرت، أن العملية الأمنية جرت في إطار فرض القانون على الجميع؛ كما في سياق محاربة الفساد والانفلات الأمني. فضلاً، كما قيل، عن ان الذين جرت مطاردتهم هم متورطون في قضايا جنائية.
لكن المسألة، بعيداً عن هذه الحيثيات التي قد تكون صحيحة، ليست في الجدارة القانونية والأمنية، لما حصل. المسألة هي في بعدها السياسي وآثاره السلبية المدمرة. وبالذات في ما تتركه من تداعيات على الصورة الفلسطينية عموماً، قضية وشعباً وحقوقاً. ثم يكفي هذا الشعب، خصوصاً في غزة في الآونة الأخيرة، ما عاناه من اغتيال وحصار وتجويع، على يد إسرائيل. فهل يعقل وفي هذا الظرف بالذات، أن يلقى المزيد من المعاناة، على يد أهله؛ كائنا ما كان العذر والمسوّغ؟
ما بات واضحاً أن مثل هذه المواجهة، المكلفة والمتكرّرة، محكومة بخلفية سياسية. في الظاهر تأخذ الطابع الأمني. وفي الجوهر، هي انعكاس لاستمرار الأزمة الوطنية المتفاقمة والمستبدة، منذ حين بالساحة الفلسطينية. لو كان حصل تجاوز هذه الأزمة، لما كانت هكذا مواجهات؛ حتى لو كانت أمنية صرفة، تقع أو تأخذ هذا المدى الدموي؛ الذي لا بدّ وأن يرفع من منسوب التوتر والاحتقان.
والدرس بات واضحاً: بقدر ما يتأخر الحوار، وبالتالي العودة إلى الوحدة الوطنية، ولو بحدها الأدنى؛ بقدر ما الساحة الفلسطينية محكومة بالمزيد من النزف والخسائر. استمرار التناحر بهذه الصورة يهدّد بنحر القضية.
