كثيرون أولئك الذين يضعون الأفكار ثم يشرعون في تنفيذها، لكنّ قلة هم من يحسنون تحويل تلك الأفكار إلى عادات. صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله، عوّد الإعلاميين على الالتقاء بهم سنوياً في أمسية رمضانية يتجاذب فيها أطراف الحديث حول قضايا المهنة وهمومها، ويتيح لهم التواصل فيها مع زملائهم الذين قد لا يلتقون ببعضهم طوال العام بسبب انشغالهم.

أمسية هذا العام أتت ضمن سلسلة أمسيات سابقة لم يخرج الإعلاميون منها إلا بدعم جديد، فمن دعم لجمعية الصحافيين وتخصيص مقر دائم لهم، إلى قرار منع حبس الصحافيين، إلى الحديث في الأمسية الأخيرة عن تكوين وتأهيل الكوادر الوطنية الإعلامية وواجبات الإعلامي. وهما الموضوعان الأهم اللذان بعث سموه من خلالهما رسالة يدعو فيها إلى توطين الإعلام المحلي، وهو الأمر الذي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تكوين وتأهيل الكوادر المواطنة وتجويدها كمخرجات.

فهو يرمي من وراء إنشاء كلية محمد بن راشد للإعلام إلى إيجاد منظومة كاملة للإعلام في الدولة بسواعد أبناء الوطن، فالإعلام الموجود حالياً باختلاف مجالاته من وجهة نظرنا لا يمكن اعتباره وطنياً 100% لأنه في حقيقة الأمر إعلام «صادر» في الإمارات، حاله حال الصحف والقنوات غير الإماراتية التي استطاعت دبي تحديداً استقطاب أعداد كبيرة منها لتتخذ من دبي مقراً لها، وهو الأمر الذي لابد له من قرار يصنع إعلاماً محلياً.

ويصدر خبرات الدولة النوعية فيه إلى الخارج كما حدث عندما صدّرت دبي والإمارات خبراتها النوعية في مجال التطوير العقاري، المهرجانات، إدارة الأعمال، المصارف والتجارة وغيرها من المجالات، وجاء الدور الآن على الإعلام الذي ينبغي ألا يُكتفى فيه باستيراد واستهلاك الخبرات الوافدة والأجنبية أو استضافتها كمستثمرة على حساب الاستفادة من الوقت والمال والجهد والخبرات في إنتاج كوادر مواطنة تصنع إعلاماً وطنياً بكل ما يتضمنه الإعلام من مهن تحت مظلته.

صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وضع الأفكار ومهّد لوجود إعلام وطني حقيقي، بدءاً بإنشاء مدينة دبي للإعلام، مروراً بتأسيس كلية للإعلام وانتهاءً بدعم العاملين في هذا المجال، واستطاع خلق جيل من القيادات الإعلامية التي ألقى الكرة في ملعبها اليوم لتتحمل مسؤولية صناعة الإعلام المحلي بعد أن وضع لها قواعد تضمن نجاحهم، منها استغلال مساحة الحرية المتاحة التي لا تعمد إلى تجريح أو تشهير.

إذ ان سموه عندما طُرح عليه في المجلس مطلب يتصل برفع سقف الحرية في الإعلام، قال سموه ان الحرية في الإمارات جيدة ومتاحة بشكل كبير. وقال سموه طالما ان الصحافي يؤدي واجبه في البحث والتحري حول ما يكتب عنه أو يتحدث عنه فقد ضمنّا له سقف حرية عال بشرط ألا يكون في ذلك شيء من التجريح والتشهير الذي قد يورط به نفسه في مواقف تصرفه عن ميدان يبقى بأمس الحاجة إليه. سموه لم يعارض طرح أي موضوع، بل وأعطى إشارة إلى أن النقد في الطرح دليل صحة، وأمر لا يمكن ان يخلو منه أي عمل لأنه يؤمن بأنه لا عمل فوق النقد.

الإمارات لا تنقصها القدرات في صنع إعلام «وطني حقيقي» بدل إعلام مازلنا نعتبره «صادر» في الإمارات وليس صناعة محلية حقيقية، وكل ما نحن بحاجة إليه اليوم هو تسخير الإمكانات المتاحة والاستفادة منها بأكبر قدر يضمن ذلك. نتمنى ان تكون رسالة سموه قد وصلت للمسؤولين عن الإعلام لنجد أنفسنا بعد سنوات فخورين بإعلام يصنعه أبناء الوطن بل ونصدره للخارج بعد سنوات اعتمدنا واكتفينا فيها بإعلام لا يتعدى كونه «صادر» في الإمارات.

mhalyan@albayan.ae