العالم يصغر بسبب المنجز التقني، فانتشار أنفلونزا الطيور جاء ككارثة عالمية وضعت لها الاستعدادات بالمحاجر والبحث عن أمصال توقف هذا الفيروس الخطير الذي يهدد واحدة من أهم مصادر الغذاء، والآن يفلس بنك في أمريكا فيهز اقتصاديات العالم وأسواقها، والفارق أن أمريكا هي مصدر الزلازل في مثل هذه الحالات، بدليل أن البقية توابع للمركز وهذا ما عزز نفوذها السياسي والعسكري تبعاً لهذه الهيمنة المطلقة..
الغريب في حالتنا أن ما حدث كشف عن هشاشة سوقنا والمتعاملين معه، فإذا افترضنا، ومن خلال أقوال فلاسفة السوق المنتشرين في الفضائيات ووسائل الإعلام المقروءة والمشاهدة، فإنه لا أثر لهذه الأزمة على اقتصادنا، غير أن العامل النفسي، كما يقولون سبب مباشر في سقوط الأسهم لأدنى مستوياتها، ومعنى هذا أن مرتكزات السياسة الاقتصادية وخاصة هيئة السوق، ليست على يقين أن لديها الحصانة من ردود أفعال كهذه ، وعملية تبرئة الإجراءات والعوامل الداخلية من أن تكون أسباباً مباشرة، تجعلنا نحتاج لمن يحرّك دولاب الصعود والنزول لمجرد إشاعة، أو إحداث تغيير إداري، أو حتى نسق في تعديل الوحدات المتعامل بها..
فقد صعد النفط إلى ما فوق المائة وأربعين دولاراً، ولم نشهد أي تأثير إيجابي يتزامن مع صعود السوق، وبمجرد نزوله دولارات بسيطة حدث العكس أي أصيب الشريط بالاحمرار، والآن مع إفلاس بنك (ليمان براذرز) وبيع (ميريل لينش أصبحنا رهن قبعة الساحر الذي يحرّك الأحداث من خلف شعار مجهول وبطقوس استعمال التمتمات والبخور، وهو علاج قد لا يشفي الصداع المزمن لسوق تجره الدعاية إلى التغيير السلبي والإيجابي دون قاعدةٍ معمول بها في العالم..
إذن كل ما يجري وجرى من وضع لوائح ونظم لا يستند إلى قاعدة تمتلك استراتيجية فعالة وهذه كارثة أخرى أي أننا وفق المفاهيم الاقتصادية نعتبر من الأسواق الناشئة، وحتى مع هذه التسمية نعتقد أننا نملك دخولاً تميزنا عن غيرنا، لكن يبقى حل ألغاز المتلاعبين من مضاربين يعيشون كأشباح بيننا لا نراه سبباً مباشراً في عمليات تجري في بورصات عالمية، وهنا السبب في العديد من الدعوات أنه ليس لدينا وضوح وينقصنا كشف الأسباب بشفافية واضحة مما جعل الثقة شبه معدومة إن لم تكن معدومة فعلاً..
المتعاملون في سوقنا من كل الثقافات والاختصاصات وحتى من مارسو العمل والتعامل مع أسواق عالمية، يجهلون تماماً كيف تتجه بوصلة الأسهم، وكل من تناقشه يقول إنه لا توجد قاعدة معمولٌ بها بحيث تعرف أو تستنتج هذه الدورات ومفاعيلها وهنا يصبح القياس تحكمه الإشاعة، وهذه مشكلة إذا ما تتالت الصدمات وأصبح المساهم الصغيرهوالضحية الدائمة، وربما تجعله الهارب من السوق خوفاً على بقية قروشه المحدودة، وإذا كان الأمر محيراً تديره (طقوس في الظلام) فهل نرى النور مرة واحدة، ونفهم هل لدينا سوق فاعلة لديها اشتراطات ما يجري في العالم، أم أنها سوق ناشئة في إدارتها وخططها واتجاهاتها، وأن المقياس لنجاحها مبنيّ على الاحتمالات فقط؟
