الفقر كمشكلة والخوف منه أو التحسب إليه لا تقف عند الفرد ذاته، أي عجز الفرد أو الأفراد عن تلبية حاجاتهم الأساسية ولربما الثانوية. وإنما في تحمله هذه المشكلة من تبعات ومصاحبات اجتماعية قد تكون عنيفة داخل المجتمع. وهي مشكلة تبدأ بالأفراد المعنيين بالمشكلة ذاتها، إلا أنها ما تبرح أن تعم المجتمع ككل.
والفقر نوعان: فقر مدقع يكون الفرد فيه عاجزا عن تلبية حاجاته الأساسية كالمأكل والملبس والمسكن والصحة، وقد يشمل هذا العجز الدولة، أي عجزها عن تلبية حاجات الأفراد الأساسية..
وفقر نسبي يكون فيه الفرد عاجزا عن تلبية بعض أو كل حاجاته الثانوية كعدم القدرة على شراء المستلزمات الدراسية أو نوعية معينة من التي يتطلبها الأبناء أنفسهم كما هي عند أقرانهم الآخرين من الطلبة.، أو عدم القدرة على شراء بعض أو كل مستلزمات الاستعداد لشهر رمضان أو عدم القدرة على شراء ملابس العيد والاستعداد إليه بصورة لائقة.. وغيرها من أنشطة الشراء والاستهلاك التي تساعد الأفراد على الاندماج في الأنشطة الاجتماعية والدينية العامة.
ويعتقد كثير من العرب والغربيين من الذين لم يخبروا المنطقة أو يتعرفوا إليها، أن الثروة النفطية التي تتمتع بها المنطقة قد جعلت من كل أفرادها أغنياء عصرهم وإن وصل متوسط دخل الفرد في بعض مواقعنا الخليجية لحوالي 60 ألف دولار في السنة.
وهم في هذا أي سكان المنطقة، قادرون ماليا على اقتناء ما يرغبون فيه وما لا يرغبون فيه أو يحتاجون إليه.. وهو انطباع وان كان قابلا للتصديق في حالة البعض وعند بعض المواقع الخليجية، فهو ليس كذلك عند بعض المواقع الخليجية الأخرى..فمتوسط الأرقام بين الأفراد كقاعدة في الإحصاء الاجتماعي لا تعني انتفاء من هم أدنى من الرقم المتوسط كثيرا أو قليلا.
ونتيجة لذلك فقد بدت كلمة «الفقر» تثير عند سماعها فيما يتعلق بحالتنا ردات فعل تتراوح بين الرفض الكامل لها أو القبول المطلق أو النسبي لها في الحالة الخليجية.
ومع ذلك فإن أي دارس اجتماعي أو اقتصادي للمنطقة لا يمكن إلا أن يقر بقبولها، لربما ليس في حالتها المطلقة، أي الفقر المدقع، وإنما في حالتها النسبية، أي العجز عن تلبية بعض الحاجات التي تحد من قدر أكبر لهؤلاء على الاندماج في النشاط الاجتماعي.فالطفل الذي يعجز أبويه عن شراء مستلزمات العيد له سيكون، دون شكك، غير قادرا على الاحتفال بالمناسبة بذات القدر من الأطفال ممن تحقق لهم ذلك.
وأعتقد إن الزيارة الشهيرة لخادم الحرمين الملك عبد الله لبيوت فقراء أطراف مدينة الرياض قد مثلت حينها وعيا وإدراكا بالمشكلة في أحد أكثر دول المنطقة ارتفاعا في الدخل القومي.
وأعتقد إنه سواء ذهبنا مع القائلين بانتفاء الظاهرة/المشكلة أو لم نأخذ بها فإن الدارس للمشكلة يجب أن ينظر لها من عدة مداخل أهمها:
1- إنه لا يمكن الأخذ بمقياس مستوى الدخل المقرر من قبل الأمم المتحدة لفهم حالة الفقر في المنطقة. فإذا كان مثلا عدم امتلاك السلع المعمرة كالثلاجة والغسالة والمكيف ولربما كذلك الهواتف الثابتة والمتحركة ولربما السيارات القديمة المستعملة مؤشرات كافية لزحزحة الفرد من خانة الفقر للخانات الأعلى من ذلك، فإن امتلاكها في الحالة الخليجية لا يمكن أن يُؤخذ كمعايير منزوعة من إطارها الاجتماعي والاقتصادي.
بل ان أي جولة على مناطق إسكان عمالة الرتب الدنيا من العمالة المهاجرة يلاحظ امتلاكها لتلفزيونات وصحون لاقطة ولربما سيارات مستعملة (سكند أو فورث هاند) وغيرها.
2- ان الحصول على العمل في حد ذاته لا يعني البتة انتفاء للمشكلة وكسرا لدائرة الفقر بل هو تحرك للأعلى ضمن هذه الدائرة. فالكثير من ذوي الدخول المتدنية التي قد لا تتجاوز 250-500 بدت أجورهم في بعضها لأسباب مجتمعية متعددة غير قادرة على توفير حاجاتهم الأساسية فكيف يكون في الحاجات الاجتماعية الأخرى.
3- تدعم قوائم العائلات المدعومة ماليا من قبل الجهات الرسمية والأهلية حجم الظاهرة التي تكشف لنا حالات بيع «الجناسي» في «حمى» شراء الأسهم وحجم ما يسمى «بالحقيبة المدرسية» المقدمة تبرعا من بعض الشركات والجمعيات الخيرية حجم العوز وشحة ما في اليد عن قطاع بدا بعض الشيء متزايدا وعاجزا عن تحقيق حاجاته دون عون من الآخرين في ظل معدلات التضخم المرتفعة.
4- إن مشكلة الفقر لا يمكن حلها بنفي وجودها أو بالتقليل من تمفصلها في سياقنا الاجتماعي الاقتصادي القائم، بل العمل على تطوير مداخل تنموية جديدة تتجاوز حالة الفهم أو العمل الرعائي والذي وإن كان قادرا من تخفيف وقعها عند البعض إلا أنه ليس بقادر على «بتر» المشكل.
وقد فرحت كثيرا بسماع انتفاء المشكل عندنا، إلا أن هذه الفرحة لم تكتمل بطارق للباب طلبا لمساعدة مالية وبرؤيتي للمتدافعين على موائد الرحمن عند الفطور والمفترشين للأرض عند المساجد وبعض المحلات التجارية «داعين لنا ولأولادنا بطول العمر»، أو «أعينونا أعانكم الله».
كاتب بحريني