سبع سنوات من الحرب على الإرهاب د. محمد قيراط
سوف يتذكر العالم بأسره وخاصة الأميركيون ولزمن طويل تلك الأحداث التي هزت الأمن القومي لأكبر وأقوى دولة في العالم في الحادي عشر من سبتمبر 2001. أحداث مست كبرياء أميركا في الصميم وغيرت وجه العالم وإلى الأبد، حيث أثرت في السياسة الداخلية والخارجية للعديد من بلدان العالم.
كما أثرت في العلاقات الدولية وفي خريطة العالم الجيوسياسية. أحداث 11 سبتمبر غيّرت وجه العالم وكشفت عن حقيقة اتضحت فيما بعد للكثيرين وهي استعمال الكذب والنفاق والغش من قبل الإدارة الأميركية لتبرير الحرب على الإرهاب واستعمال تلك الأحداث كشماعة لتمرير أجندة المحافظين الجدد واليمين المسيحي المتطرف، على الصعيد المحلي والدولي. فالتخطيط للحرب على العراق.
وبشهادة المسؤولين الأميركيين أنفسهم ومختصين ومحللين، بدأ قبل أحداث 11 سبتمبر بفترة طويلة، وصدام لا علاقة له لا بأسلحة الدمار الشامل ولا بالقاعدة وبن لادن. الحرب على الإرهاب اُستعملت كذلك للتجسس على الشعب الأميركي ولخرق كل الحريات الفردية بما فيها حرية الصحافة. فالتجسس على الأميركيين أمر به بوش وتشيني قبل سبعة أشهر من أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
سبع سنوات تمر على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وسبع سنوات تشن فيها أميركا الحرب على الإرهاب بتكلفة قدرت ب437 مليار دولار. النتيجة هي أن الوضع الأمني العالمي في تدهور وأن الوضع في العراق وأفغانستان ليس أحسن عما كان عليه قبل الغزو.
بعد مرور سبع سنوات على أحداث 11 سبتمبر 2001 ما زالت أميركا تخوض حربها ضد الإرهاب وهي تخوض مواجهات ونزاعات في بقع عدة في العالم كالحرب في العراق وأفغانستان والنزاع حول الملف النووي مع إيران وصراعات مع كل من سوريا والسودان ومواجهات مع مجموعة من دول أميركا الجنوبية ترفض الغطرسة الأميركية وسياسة العم سام.
تداعيات 11 سبتمبر تركت بصماتها على معظم دول العالم وخاصة دول منطقة الشرق الأوسط، حيث أن أحداث 11 سبتمبر تعتبر منعطفا تاريخيا في العلاقات الدولية فالعالم قبل 11 سبتمبر 2001 يختلف جذريا على عالم ما بعد هذا التاريخ.
ومن التداعيات السلبية لأحداث 11 سبتمبر تدهور العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي حيث أصبح الإسلام حسب اليمين الأميركي المتطرف مرادفا للإرهاب ومنافيا للحضارة الغربية ومحاربا للديمقراطية وحقوق الإنسان.
ونتيجة للرؤية الجديدة للغرب والولايات المتحدة الأميركية للإسلام والعرب أصبح العالم الإسلامي ساحة للعمليات الأميركية لمحاربة الإرهاب والقضاء عليه. والخطأ الفادح الذي وقعت فيه الإدارة الأميركية هو محاربة نتائج الإرهاب وليس الأسباب التي أفرزته.
وهكذا حاولت أميركا خلال السبع سنوات الماضية محاربة الإرهاب بالقوة والغطرسة والعنف وانتهاك الحريات وحقوق الإنسان حيث أنها لجأت في بعض الأحيان إلى محاربة الإرهاب بالإرهاب.
فالحرب على الإرهاب التي انتهجتها أميركا بعد 11 سبتمبر 2001 بدلا من أن تقضي على ظاهرة الإرهاب زادت من حدتها وانتشارها في أرجاء العالم. وحسب تقارير الخارجية الأميركية نفسها فإن سنة 2005 شهدت لوحدها 11 ألف هجوم إرهابي أودت بحياة 14600 شخص معظمهم لقوا حتفهم في العراق.
أما في أفغانستان فالوضع لا يقل سوءاً عن العراق فالحرب ما زالت مستمرة وأسامة بن لادن ما زال حرا طليقا والقوات الأميركية وقوات الحلفاء ما زالت تتكبد الخسارة تلو الأخرى. فالعالم بعد سبع سنوات من أحداث 11 سبتمبر أصبح أقل أمنا واستقرارا، عكس ما روّجت وترّوج له الولايات المتحدة الأميركية من خلال حربها الشاملة على الإرهاب مدعية أن العالم أصبح أحسن بكثير عما كان عليه قبل 2001.
فضحايا أحداث 11 سبتمبر 2001 قدر عددهم ب3000 قتيل أما ضحايا الحرب على الإرهاب فيقدرون بعشرات الآلاف، والوضع مع الأسف الشديد زاد سوءاً وتدهوراً بسبب تعنت أميركا وغطرستها وسياستها الخارجية التي تقوم على مبدأ الكيل بمكيالين واختراق الحريات الفردية وحقوق الإنسان.
مثلت أحداث 11 سبتمبر 2001 الشماعة التي استعملها اليمين المسيحي المتطرف في أميركا للسيطرة على العالم وفرض أجندة البيت الأبيض بما يتماشى ويتناسب مع خططه وأهدافه.
لكن النتائج بعد سبع سنوات جاءت مخيبة لآمال الإدارة الأميركية التي وجدت نفسها متورطة في مستنقع العراق وفي حرب بلا نهاية في أفغانستان، ناهيك عن التحديات التي تواجهها من إيران وعودة روسيا بقوة على الساحة الدولية كمنافس قوي لأجندة العام سام وبروز الهند والصين كقوى اقتصادية فاعلة وصعود المد الاشتراكي في أميركا الجنوبية المعادي للإدارة الأميركية. فالعالم أصبح متعدد الأقطاب وحسابات بوش كُللت بالفشل نظرا لكونها مبنية على إفتراضات خاطئة وعلى استعمال الكذب والتضليل.
تعتبر منطقة الشرق الأوسط الأكثر تضررا من تداعيات أحداث 11 سبتمبر 2001 وهي التي دفعت وما زالت تدفع الفاتورة الكبيرة لما حدث. فالعرب والمسلمون خسروا الكثير من جراء أحداث 11 سبتمبر 2001.
فالعلاقات بين الطرفين ساءت وتدخل أميركا في الشؤون الداخلية لمعظم الدول العربية أصبح أمرا واقعا. وأصبح المسئول عما حدث في عيون الأميركيين والرأي العام الأميركي هم العرب والمسلمون. وترجمت مواقف الهلع والخوف من العرب والمسلمين والإسلام إلى مواقف وتصرفات تتنافى جملة وتفصيلا مع حقوق الإنسان والحريات الفردية.
وكان من ضحايا هذه الإجراءات العنصرية طرد آلاف الطلاب العرب من الجامعات الأميركية ووضع العديد من المنظمات والجمعيات الخيرية الإسلامية والعربية تحت الحراسة المشددة وعلى قائمة المنظمات الإرهابية وتجميد حساباتها البنكية، هذا ناهيك عن الشباب العربي والمسلم الذي زج بهم في سجن غوانتانامو بدون وجه حق، وكذلك تجاوزات سجن أبو غريب والسجون السرية التي كانت تديرها المخابرات الأميركية في العديد من دول العالم.
أحداث 11 سبتمبر 2001 عززت الصدام الوهمي مع الإسلام حيث انتقلت صورة العرب والمسلمين عند الأميركيين والغرب من مرحلة التشويه والتضليل والتنميط إلى مرحلة الإقصاء والصراع بين الغرب والإسلام. هكذا إذن تحولت منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة عمليات حربية أسفرت عن احتلال العراق وإحداث انقسامات طائفية بين السنة والشيعة الأمر الذي فسح المجال أمام إيران لتتدخل هي بدورها في المنطقة وتفرض أجندتها.
الحرب على الإرهاب زادت الطين بلة وبدلا من معالجة الداء واستئصاله أدت إلى تكاثره وانتشاره، لأنها بكل بساطة حرب تقوم على اختراق حقوق الإنسان والحريات الفردية ولا تقوم على الحق والعدالة وهي حرب تدعي محاربة الإرهاب والقضاء عليه وهي في حقيقة الأمر تستعمل الإرهاب لتحقيق أجندة وأهداف بعيدة كل البعد عن الأهداف التي تدعيها.
جامعة الشارقة