كتاب بوب وودوارد وأزمة الديمقراطية الأميركية

تنشر صحيفة الواشنطن بوست هذه الأيام مقتطفات من الكتاب الجديد للصحافي الأميركي الشهير بوب وودوارد الذي يحكى قصة الصراعات التي دارت خلال العامين الأخيرين داخل إدارة بوش بشأن العراق.

ولا جديد في الواقع في الحديث عن الصراعات العميقة التي دارت داخل الإدارة بشأن العراق سواء قبل الغزو أو بعده. ولا جديد أيضا في أن تلك الصراعات التي هي القاعدة لا الاستثناء في كل الإدارات الأميركية وبشأن معظم القضايا الداخلية والخارجية كانت قد وصلت في عهد بوش إلى مستويات غير مسبوقة خصوصا بين المدنيين والعسكريين المعنيين بموضوع العراق.

غير أن أهمية كتاب وودواردتتمثل في أن ما جاء فيه من تفصيلات دقيقة عن تلك الصراعات وما ورد على لسان الرموز المختلفة إنما يكشف عن مدى التجاوزات التي أتت بها إدارة بوش بما في ذلك تضليل الرأي العام الأميركي.

ولعل أخطر ما جاء فيما نشرته الواشنطن بوست من حلقات حتى الآن هو ذلك المتعلق بالنفوذ الذي تمتعت به شخصيات ليس لها أي صفة رسمية والدور الذي لعبته في التأثير على القرار الأميركي في العراق.

فقد شرح الكاتب تفصيلا كيف استطاع جنرال متقاعد هو جاك كين ليست له أي صفة رسمية (اللهم إلا عضويته في هيئة «استشارية» تابعة لوزارة الدفاع) أن يؤثر بشكل مذهل على صنع القرار في العراق بل على تصعيد ديفيد بترايوسإلى منصبه الحالي.

وجاك كين الذي لم يكن له أي منصب رسمي - ومن ثم لا يخضع للمساءلة ولا الحساب- هو أحد أساتذة ديفيد بترايوسالذي كان قائدا للقوات الأميركية في العراق حتى تم ترقيته في أقل من عامين ليصبح القائد العام للقوات الأميركية في المنطقة.

فعبر اتصاله المباشر والوثيق بمكتب الرئيس بوش ونائبه ديك تشينى استطاع جاك كين رغما عن أنف قادة الأركان في أميركا أن ينقل رسائل مباشرة من الرئيس إلى ديفيد بترايوسحين كان قائدا للقوات الأميركية في العراق دون أن تمر تلك الرسائل على أولئك القادة العسكريين الذين ظلوا لا يعرفون شيئا عن مضمونها.

فمن المعروف أن قادة الأركان كانوا ضد زيادة عدد القوات الأميركية في العراق التي أعلن عنها الرئيس بوش في يناير 2007. فقد رأوا أن إرسال هذا العدد الإضافي الضخم إلى العراق يفرض على القوات الأميركية أعباء كبرى لا يمكن تحملها ويطيل من مدة بقاء الجندي الواحد في الخدمة الأمر الذي يؤثر على الروح المعنوية والكفاءة عموما، هذا فضلا عما فيه من مخاطرة بقدرة الولايات المتحدة على التصدي لأي أحداث تستدعي من وجهة نظر أميركا تدخلا عسكريا في أماكن أخرى من العالم.

إلا أن الرئيس الأميركي اتخذ قراره بإرسال تلك القوات رغم معارضة قادة الأركان واختار ديفيد بترايوسللقيام بالمهمة. ومن هنا نشأ منذ اللحظة الأولى توتر بين بترايوسورؤسائه العسكريين. فقد كان الرجل يريد التحرر من المساءلة من جانبهم حيث كانوا يطالبونه بتقديم تقارير مفصلة تقدم شرحا وافيا كلما أرسل يطلب المزيد من الموارد والإمدادات.

ومن هنا كان الباب الخلفي بين بترايوسوالبيت الأبيض عبر جاك كين ليس فقط بمثابة التفاف كامل حول علاقة بترايوسبمرؤوسيه العسكريين ولكنه كان أيضا بابا خلفيا عبر شخص ليست له أية صفة قانونية ومن ثم لا يخضع لأية مساءلة.

والكتاب من خلال تفاصيل تلك القصة يقدم صورة أيضا عن المدى الذي وصلت إليه الإدارة في تضليل الرأي العام الأميركي. فالرئيس بوش لم يكف أبدا عن القول بأنه لا يتخذ قرارات الحرب بناء على استطلاعات الرأي العام أو ما يراه السياسيون وإنما بناء على رأي العسكريين أصحاب الخبرة في هذا الشأن. لكن اتضح أن القادة العسكريين كان قد تم تهميشهم لصالح بترايوسالذي كان يحصل على دعم بوش المباشر في تخطيه لرؤسائه العسكريين!

والأخطر من ذلك كله أن تصعيد بترايوسليتولى منصب القائد العام للقوات الأميركية في المنطقة كان يهدف ضمن ما يهدف إلى قطع الطريق على أي إدارة أميركية تتولى بعد بوش إذا ما أرادت أن تغير السياسة الأميركية في العراق، فبتعيين بترايوس في ذلك المنصب يكون على الرئيس الجديد إذا ما أراد مثلا سحب القوات أن يدخل في مواجهة علنية مع ديفيد باتريوس.

وهى مواجهة خطرة بالنسبة لأي رئيس في بداية حكمه حيث يمكن لخصومه أن يتهموه فيها بسهولة بأنه بتحديه للقائد العسكري يعرض أمن أميركا القومي للخطر وهو ما زال قليل الخبرة بالمنصب الذي تولاه، بعبارة أخرى، سعى المحافظون الجدد في إدارة بوش إلى توريط الرئيس الذي سوف يخلف بوش وشل يده فيما يتعلق بالعراق، والمثير للقلق في الواقع هو أن أوباما قد صدرت عنه بعد التصريحات التي قال فيها فعلا انه إذا ما تولى الرئاسة فسوف يعيد النظر في موقفه بشأن العراق بناء على الإنصات جيدا إلى ديفيد باتريوس. أما ماكين فهو من أنصار بترايوسوالمروجين له في واشنطن منذ توليه منصبه.

وتعيد كل تلك الأوضاع إلى الأذهان تحذير الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور من خطورة دور المركب العسكري الصناعي على الديمقراطية الأميركية ذاتها. فهناك فعلا أزمة حقيقية تواجهها الديمقراطية الأميركية ولم يتضح بعد ما إذا كانت الانتخابات الحالية قادرة على الخروج بأميركا من تلك الأزمة.

كاتبة مصرية

manarmes@yhoo.com