تودّع الأعاصير إدارة بوش، من كل صوب. بالأمس كان «غوستاف» ودماره. ثم لحق به «آيك» وخرابه. لكن العواصف الطبيعية، على شراستها وخسائرها، تبقى هيّنة وعابرة؛ بالمقارنة مع الإعصار المالي الهادر؛ الذي يضرب القطاع المصرفي وأسواق المال الأميركية؛ والذي وصلت ارتداداته إلى آخر أطراف المعمورة.
صروح ومؤسسات بنكية واستثماراتية أميركية عريقة، يعود عمر بعضها إلى أكثر من مئة سنة؛ أطاحت بها أزمة عاتية. منها ما أشهر إفلاسه. ومنها ما سارعت الحكومة الفيدرالية إلى تعويمه. وآخر اضطر إلى التصفية وبيع أصوله إلى شركات أخرى. والحبل على الجرار. التداعيات المؤلمة، في الداخل والخارج، بدأت تتوالى وبأكثر من صورة وعلى أكثر من صعيد. «دراما مالية باقية لأمد طويل ولا باب ضوء قريبا»، كما وصفتها جريدة «نيويورك تايمز الأميركية».
يأتي ذلك على خلفية تدهور حادّ للدولار؛ منذ فترة. رافقته زيادة في نسبة البطالة، وجنون بأسعار الطاقة؛ إلى جانب أرقام فلكية في عجز الموازنة، راكمت ديون الخزينة التي تجاوزت العشرة تريليونات دولار. أما الخسارة الأكبر فهي تلك التي لحقت بهيبة الولايات المتحدة وصورتها، في العالم.
صداقاتها تراجعت وصارت باهتة. علاقات الآخرين معها باتت أسيرة التوجس بسياساتها.حتى حلفاؤها في أوروبا، يحرصون على وضع فاصل بينهم وبينها. خصوماتها ازدادت. إدارة الرئيس بوش حوّلت علاقاتها مع بعض البلدان، مثل باكستان، من حالة التعاون والتقارب؛ إلى حالة من التوتر والارتياب.
استمرت في حشر روسيا، من خلال الإصرار على توسيع الناتو والوصول به إلى باب دارها؛ ومن خلال التمسك بنشر الدرع الصاروخية قريباً من باب هذه الدار؛ حتى انفجر الوضع في جورجيا ولجأ الروس، هم أيضاً، إلى القوة. بذلك تكونت الأرضية لعودة جديدة إلى زمن الحرب الباردة، أو ما يماثلها.
هذا عدا عن الرصيد السلبي الذي راكمته الإدارة في المنطقة. من عملية المفاوضات، التي تركت إسرائيل تعمل بصورة منهجية على إجهاضها؛ بحيث تبخّرت معها كل خرائط ووعود الرئيس بوش. إلى حرب العراق وتداعياتها، الكارثية على البلد والمنطقة برمتها.
ناهيك بحربها الخائبة على الإرهاب، والتي أدّت إلى مفاقمته؛ بسبب الأخطاء والتفرد؛ مع الإصرار على الكيل بمكيالين، في هذا الخصوص. لإسرائيل معيار وللعرب آخر؛ فضلاً عن التشبث بالخلط بين الإرهاب والمقاومة المشروعة، إرضاء لإسرائيل.
أربعة أشهر ويغادر الرئيس بوش البيت الأبيض. الآن بدأ يحصد - وبعده أميركا ستحصد - ما زرعته سياسات الانفلات، الخارجية والداخلية. في الخارج أدّى التهور إلى التورط والتوريط، المكلفين. وفي الداخل أدّى الفلتان في السياسات المالية، إلى ضمور الضوابط؛ ثم إلى الإعصار الراهن. الشطط محكوم بمثل هذه النهاية المفجعة والبائسة.
