دائما ما يتحدث قادة اسرائيل عن السلام في الوقت الضائع حين يدخل نجمهم السياسي إلى المحاق، وقد عودنا التاريخ السياسي أنه لا يوجد عداء مطلق أو صداقة مطلقة، وان العلاقات السياسية دائما في تحول، وقد اصبح اعداء الامس في اوروبا والعالم خلال الحرب العالمية الثانية حلفاء واصدقاء فيما بعد.

لكن علاقة الأنظمة السياسية المتعاقبة في اسرائيل بالقضايا المحورية للمنطقة التي يعيشون فيها تتسم بالتشوس والارتباك.

رابين كان يكسر عظام اطفال فلسطين ويدعو قواته الى فعل ذلك، ثم حاول في آخر حياته أن يعقد سلاما لم يسعفه الوقت له ولم يتح له المتطرفون الاسرائيليون فرصة لينجز ما اراد، شارون كان يكسر اوامر قادته ويستمر في الغزو والقتل والتدمير (حدث ذلك في حرب 73 وغزو لبنان في 1982)، وحين اوشك على نهايته حاول الانسحاب بالمستعمرين الموالين له من غزة فلم يسعفه الوقت وغدا نسيا منسيا، بل ابتهل الموالون له من المستعمرين كي ينزل الله على زعيمهم شارون لعناته.

واليوم يأتي أولمرت ليتحدث عن أخطاء قادة اسرائيل ويضيف نفسه اليهم بحق الفلسطينيين ويدعو إلى استئناف الحوار مع الفلسطينيين والسوريين قبل أن يأتي يوم يندم فيه الاسرائيليون على تباطؤهم في السعي نحو السلام، لكنه ترك كافة الاتفاقات تنهار دون ان يفعل شيئا سوى التصريحات وآخرها اتفاقات (أنابوليس).

والآن يعتذر أولمرت، ربما لأنه استشعر أن الفريق العامل معه قد تخلى عنه، من اجل خلافته في السلطة السياسية، اما اولمرت فلاحقته الفضائح ولا تزال حتى تقعده عن فعل اي شي سوى الاعتذار. لماذا لا يشعر ساسة اسرائيل بهذه الرغبة في السلام وهم في أوج النفوذ؟ ان السياسي القوي هو الذي يقود بلاده وشعبه صوب التحدي الحقيقي من اجل الاستقرار والعدالة واعطاء كل ذي حق حقه. واذا كان من فائدة لشعور الندم لدى اولمرت فهي انها تعطي اشارة ضوء تحذيرية لمن يخلفه في رئاسة الوزراء أن يحسن استغلال الفرص التاريخية لصنع السلام مع العرب، قبل ان تجبر التحولات الجيوسياسية اسرائيل وحتى اكبر داعم لها (الولايات المتحدة) الى الانحناء وليس فقط الاعتذار.

ثم كيف نفهم شعور المسؤول الاول عن السياسة الاسرائيلية بالرغبة في اصلاح ما فسد وهو يوافق على قيام قوات الاحتلال بإغلاق معابر قطاع غزة بالكامل للاستمرار في تجويع الشعب الفلسطيني بذريعة وقف الصواريخ؟ ثم هل اوقف الحصار المستمر من سنين هذه الصواريخ؟

وهل يستقيم شعور أولمرت بالرغبة في السلام والوئام مع أبناء الجرائم الوحشية التي يرتكبها المستوطنون في المدن والقرى الفلسطينية بمساندة من جيش الاحتلال الذي يستعد للحصول على 1000 قنبلة شديدة التدمير من الولايات المتحدة ـ رغم نفي الاخيرة ـ مما يزيد الاعتقاد وباستعداد اسرائيل لشن حرب جديدة لا تتورط فيها مع جيرانها فحسب بل مع دول خارج المنطقة العربية؟

انه شعور الندم في الوقت الضائع ذلك الذي يتحدث عنه اولمرت اما العقلية العدوانية التي تتوالى على حكم اسرائيل فهي على حالها حتى يتبدل حال اصحاب المصلحة فيفيقون من حمى الجدل ويستعدون للعدوان الاسرائيلي القادم.