إذا كان لا بد من إطلاق حوار حقيقي في لبنان فان اللحظة المناسبة لذلك قد حانت على ما يبدو. وحسنا فعل الرئيس سليمان لاقتناص الفرصة المتاحة وتوجيه الدعوات، لأن الوطن وشعبه لا يحتملان مزيداً من التأجيل والمعاناة، بل يتطلّعان إلى من يمتلك العزم الحقيقي لممارسة سياسة هجومية بنّاءة تؤدي في نهاية المطاف إلى نتيجة واضحة: تحقيق المصالحة الشاملة والانكباب على إعادة اللحمة بين أبناء الوطن، تمهيداً للولوج في إطلاق عملية بناء الدولة.
وإذا كان الرئيس سليمان قد أظهر ما يكفي من العزم لبدء تنفيذ تلك السياسة الهجومية البنّاءة، فانه يحتاج بلا شك لمن يلتف حوله ويتضامن مع جهوده، لا سيما قادة الوطن الآخرين القادرين على التأثير سلبا أم إيجابا بشرائح وقطاعات الشعب اللبناني. فذلك سيشكّل صمام الأمان الحقيقي لانطلاقة واستمرار أي حوار جدي، وسيمنحه بعدا وطنيا شاملا حتى لو كان معتمداً على بذور الطائفية التي أرفضها شخصياً.
وقد يكون ملائما أيضا رفد الحوار بدعم عربي وإقليمي واضح وصريح، بعيد كل البعد عن التحيز لهذا الطرف أو ذاك ممّن قد يدينون بالولاء لما يوصف بالمعادلات الإقليمية المختلفة. فالهدف المفترض تحقيقه هو إنقاذ لبنان من أي مخاطر قد تتربص به في الوقت الحاضر، وهو بالتالي هدف منطقي لكافة الأطراف التي تريد الخير لهذا البلد، والتي تعي جيدا بأن شرارة التوتر اللبناني إن انطلقت، فانها ستصيب بلا شك المحيط الأوسع وإن بأشكال ونسب متفاوتة.
ان ما يعزز نسب التفاؤل في هذا السياق، هو أن معظم من يضعون أنفسهم في خانة أصدقاء لبنان يُظهرون حرصاً شديداً على الأمن والاستقرار فيه، بغض النظر عن نسبة «تورّطهم» أم عدمها في الملفات اللبنانية المستعصية على الحل حتى الآن.
وفي ما يتعلق بآلية وأهداف الحوار الذي من المفترض أن ينطلق اليوم، أجد من واجبي أن أشير إلى مسألة في غاية الأهمية، قد تكون مفيدة في رفد الجهود النيّرة التي أخذ الرئيس سليمان يعبّر عنها بين وقت وآخر، والتي توّجت بالدعوة إلى طاولة الحوار الوطني في «قصر الشعب » ببعبدا كما قال حرفيا في كلمته مؤخراً.
ولعلّني لا أخفي سرّا إن قلت، ان الشعب اللبناني بكافة تياراته لم يكن يريد يوما أن يشعر بأن هذا القصر هو فعلاً منزله مثلما يريد أن يشعر اليوم، فهنيئا للرئيس سليمان الذي بدأ يستشعر بأن الطريق الحقيقي لخلاص للوطن يمرّ حتما من خلال تقرّبه من شعبه التواق للعيش الكريم. وهنيئا له مرة أخرى لأنه قد اقتنع على ما يبدو، بأن الحاكم يكون قويا بالتفاف شعبه حوله، ومجردا من أي نفوذ إذا وضع نفسه في برج عاجي أو إذا تعمّد حفر هوة عميقة تبقيه بعيدا عن الشعب.
انطلاقا مما سبق، وأخذا بعين الاعتبار كل الحسابات السياسية والحزبية وما إلى ذلك، أسمح لنفسي بالتوجه إلى الرئيس سليمان وفريق عمله، طالباً منهم بكل احترام وتقدير أن لا تُحصر فعاليات الحوار الوطني بين الشخصيات والفعاليات السياسية والمذهبية التي اجتمعت في الدوحة فقط، بل أن يتم توسيعها لتشمل من لا يزال مترددا في تحديد انتماءه السياسي، لكنه يصرّ في نفس الوقت على انتمائه الوطني اللبناني المجرد من أية اعتبارات طائفية ومذهبية.
وقد لا يضر أبدا في هذا السياق أن توجه الدعوة إلى ممثلي المجتمع المدني، المفترض أنهم يمثلون شريحة واسعة من اللبنانيين التي سبق وصفها، لأن حصر النقاش بمن يفترض أنهم متورطين وإن بنسب مختلفة بتأجيج أزمات الوطن، سيشكّل انتقاصا كبيرا من حقوق المواطنين الذين يحلمون على الأقل ببناء دولة جديدة تختلف معالمها عمّا شهدناه حتى اليوم.
هذا لا يعني بطبيعة الحال الانتقاص من كرامة أي طرف يشارك في الحوار أو توجيه التهم إليهم جزافا، بل هو مطلب ملحّ في الوقت الحاضر من أجل إطلاق المشاركة الشعبية الحقيقية بشكل مسؤول ومدروس لا يعتمد فقط على الأسس الطائفية والمذهبية التي تتمسك بها معظم القوى الفاعلة حاليا، بل على أسس شعبية ووطنية أيضا.
وكما علّمتنا التجارب التاريخية الكثيرة، فقد لعب المجتمع المدني دورا بارزا في تكريس الحياة الديمقراطية الحقيقية، وكان دائما صمام الأمان في أي مجتمع يتوق أبناءه للعيش بحرية وكرامة، ناهيك عن دوره الفعال كرقيب وحسيب على كافة السلطات التنفيذية والتشريعية.
أما للقادة المتحفّزين حاليا للانقضاض على بعضهم البعض من خلال طاولة الحوار فأقول: لقد شاءت الظروف التي عصفت بالوطن أن تضع بعضكم في موقع المسؤولية، في حين وصل بعضكم الآخر إلى هذا الموقع من خلال تأييد شعبي واضح لا لبس فيه. المطلوب منكم جميعا أن تتواضعوا أمام الوطن واستحقاقاته الكثيرة والملحّة، وأن تنحنوا دون تذلّف أو نكران أمام تضحيات الشهداء، كل الشهداء، الذين سقطوا من أجل أن يبقى هذا الوطن.
لقد حان وقت تحمّل المسؤولية بشكل دقيق، فكونوا أهلا بها، وبعضكم قد أثبت حقّا أنه جدير بتحمّلها. ولأنكم ارتضيتم على أنفسكم وشعبكم أن تكونوا جزءا من وطن يوصف بأنه قائم على التوازنات الدقيقة، فانكم مطالبون اليوم بإعلاء مصلحة الوطن العليا على كافة الضوابط الأيديولوجية والعقائدية التي تؤمنون بها، دون أن نطالبكم طبعا بالتخلّي عن قيمكم السامية التي نجلّ ونحترم.
لقد حان وقت بناء الدولة الحقيقية التي يطمح إليها كافة أبناء الوطن، فأعيدوا إليهم الأمل المفقود من خلال تواضعكم في طرح الشروط.. وتذكّروا دائما، بأن الهيكل يصمد ويقوى بوحدة أبنائه، لا بتشرذم انتمائهم وضعف إرادتهم الوطنية.
كاتب لبناني
