الساحة الفلسطينية لديها ما يكفي ويزيد من المشاكل والهموم والتحدّيات. انقسامها الداخلي أنهكها. ما ترتب عليه من خسائر وأعباء وإرباكات، يفوق قدرتها على الاحتمال. فهي بغنى عن المزيد من الأزمات والخلافات، التي لا تؤدّي سوى إلى مفاقمة تعقيدات أوضاعها. خاصة إذا كانت تتعلق بملفات لم يحن وقت فتحها.

وبالأخص إذا كانت هذه الملفات من النوع الذي يمكن معالجته بالطرق القانونية، بعيداً عن السياسة وحساباتها والتهاباتها؛ في ساحة ملتهبة أصلاً. وبالتحديد ملف انتخابات الرئاسة الفلسطينية، الذي انفجر الجدل حوله؛ قبل أوانه. مازال بين اليوم وموعد الاستحقاق، حوالي أربعة أشهر. من المبكر وضعه على نار حامية.

ثم أن قائمة الأولويات الفلسطينية، لا تشكو من نقص. بل هي طافحة بالبنود الضاغطة والمستعجلة؛ والتي لا تقوى على تقبّل المزيد من التجميد وبالتالي التأزيم والتعقيد.

على رأسها موضوع الحوار الوطني، الذي يكاد تأجيله وإغراقه بالشروط المتبادلة المسبقة ؛ أن يحكم على احتمالاته بالإعدام. ناهيك بموضوع الحصار والمفاوضات، التي صارت في مهبّ الريح تقريباً، على الأقل في حدود ما تبقى من هذا العام؛ في الوقت الذي يواصل فيه الاستيطان الإسرائيلي المنفلت، قضم المزيد من الأراضي الفلسطينية.

اللائحة طويلة ومزدحمة بالاستحقاقات الكبيرة والمتعلقة بالمصير الوطني برمّته. على هذه الخلفية، جاء استحضار موضوع الرئاسة الفلسطينية، ليصب الزيت على النار.

من جهة هو موضوع يثير حساسيات، في ضوء حالة الانقسام والتباعد السائدين. ومن جهة ثانية، طرحه بصيغة التراشق عبر الميكروفون، زاد الطين بلّة. طبعاً هذا استحقاق لا بدّ من مواجهته. لكن في حينه.

وذلك يتطلب مقدّمات. ليس أقلها ترطيب الأجواء، ومباشرة الحوار الوطني الموعود. وفي كل الحالات التوافق ميسور حوله، عبر الآليات القانونية والدستورية المتاحة. هذا إذا ما تلاقت النوايا على تجنّب أزمة، من النوع الذي يهدّد، هذه المرة، بمضاعفات مدمّرة، للقضية في صميمها.

فصل الدستوري عن السياسي، يضمن العثور على مخرج؛ يحفظ الموقع الرئاسي، بكل ما يرمز إليه؛ في الداخل والخارج، من وحدانية لقضية الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية الثابتة. الخلاف من اليوم وإطلاق الجدل، الذي لا يخلو من التحدّي، حوله؛ من شأنه زيادة تعقيده، وفي ذات الوقت إضافته إلى قائمة الخلافات وتوسيعها. وربما وصل الأمر، إذا ما بقي التعاطي معه بهذه الصورة، إلى انقطاع شعرة معاوية، بين الطرفين.

الدخول في جدل حول شرعية أو لاشرعية هذه الصيغة أو تلك، إذا ما بقي يتفاعل بهذه اللغة؛ قد ينتهي إلى حالة، يكون الوضع الراهن بالمقارنة معها، شيء لا يذكر. بل قد تكون أقرب إلى الانتحار الوطني.