يبدو لبنان، في اللحظة الراهنة، وكأنه يعيش حالة صراع بين الاغتيال السياسي والمصالحات الوطنية. موسم هذه الأخيرة دخل منذ فترة، ثم أخذ شحنة دفع نوعية قبل أيام، بزخم جديد وواعد. حلقاته بدأت تتراكم. تضافرت عوامل وحسابات ومبادرات داخلية، مع حلحلة إقليمية؛ لدخوله.

معه انفتحت الطريق أمام سحب فتيل الاحتقان والتفجير، في أكثر من منطقة؛ كانت مرشحة للاشتعال المفتوح. حراك بدا معه أن البلد في طريقه نحو استعادة استقراره الأمني على الأقل. توقيته زاد من أهميته، كما من جدّيته، كونه انطلق وحقق خطوات ملحوظة، عشية انعقاد طاولة الحوار الوطني، غداً، في القصر الجمهوري، برعاية رئيس الجمهورية. وكأنه جاء بمثابة مقدمة محفّزة للمؤتمر ومسهّلاً، أو في أقله ممهداً، لأعماله.

فجأة، وبين الجولتين، ضرب سيف الاغتيال ضربته. الرسالة كانت واضحة، تقاطعت الردود عند قراءة واحدة لها: كبح هجمة المصالحات ولجم اندفاعها.

الاغتيالات السياسية في لبنان قديمة. رافقته منذ فجر الاستقلال. مع كل أزمة كانت تطل على الساحة من جديد، بدرجة أو بأخرى. خلال الحرب الأهلية ضربت أطنابها. طاولت شخصيات، من مختلف المواقع. قيادات سياسية ودينية وإعلامية وأكاديمية وغيرها. غابت، تقريباً، مع طيّ صفحة الحرب الأهلية.

مع نهاية 2004 عادت من جديد. في مطلع 2005 وصلت ذروتها. وبعدها انفلت حبلها، لتضرب الرقم القياسي. آخر الحلقات كانت، قبل أيام. هذه المرة، تنطوي على خطورة غير مسبوقة؛ لسببين: أولا، لأن المرحلة الراهنة، ذاتها، غير مسبوقة.

لم يحصل في الماضي من الصراعات اللبنانية أن كانت الأزمة بالحجم الذي تأخذه اليوم؛ سواء لجهة عمق وجوهرية القضايا الخلافية بين الأطراف اللبنانية، ناهيك بوضعية توازناتها؛ أم لجهة التعقيدات والتداخلات الخارجية فيها، فضلاً عن خطورة التهديدات والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة ضدّ لبنان.

ثانياً، لأنها تأتي بمثابة إنذار للمعنيين؛ كي لا يدفعوا بمصالحاتهم حتى نهاياتها المنشودة؛ وذلك في لحظة بدت فيها الأجواء أكثر قابلية للتقارب، أو على الأقل أكثر ميلاً إلى التهدئة المديدة؛ في حدّها الأمني الأدنى. وكأنها تريد أن تقول بأنه من الممنوع إسقاط المصالحات الفرعية التي حصلت، على طاولة الحوار الوطني المتوقع افتتاح جلساته غداً.

اللبنانيون قرأوا الاغتيال على أنه رسالة من المتضررين، مفادها أن الاستمرار في المصالحات السياسية كلفته عودة الاغتيالات. القراءة صحيحة، التوقيت واختيار الضحية، يشيران بلا لبس في هذا الاتجاه. لكن لا خيار أمامهم سوى الحوار والمصالحة، في النهاية. التحدّي يكمن في كيفية ترجمة هذا الخيار، الذي مهما كانت كلفته فإنها تبقى أقل من أي بديل عنه. غداً يدخلون غرفة الاختبار، والحكم للتاريخ.