في تصريح مهم أدلى به الشيخ محمد الصباح قبل مغادرته إلى القاهرة لحضور اجتماع وزراء الخارجية العرب هذا الأسبوع أكد فيه أن للعراق حق المطالبة بإسقاط الديون، ولو كنت عراقياً لطالبت بذلك، ولكن للكويت أيضاً حق الإصرار على حل المسألة عبر القنوات المحددة».

وقد جاء هذا التصريح بعد إثارة مسألة الديون المتراكمة للكويت على العراق، وهي ديون بعضها يعود إلى أيام الحرب العراقية الإيرانية، وأخرى متعلقة بأيام الغزو والدمار الذي شهدته الكويت وتحديداً في ألف من حقولها النفطية تقريباً. ومجمل هذه الديون تبلغ ستة عشر ملياراً من الدولارات.

وكانت الحكومة العراقية وعلى لسان ناطقها الرسمي السيد علي الدباغ قد أثارت مسألة الديون ومسائل أخرى الأسبوع الماضي حينما ذهب الدباغ للدعوة بعد اجتماع لمجلس الوزراء إلى مفاوضات جادة وفق قواعد الاحترام المتبادل ومصالح البلدين لحسم المشاكل التي خلفها سياسات النظام البائد بمصالح الشعبين». ثم أضاف أن المجلس يعبر عن قلقه لبقاء الملفات دون حلول مما يلحق الضرر البالغ بمصالح الشعبين»!

والحق أنه لا توجد إلا مشكلتان عالقتان بين البلدين الجارين، وهما إصلاح بعض العلامات الحدودية وتعويض عدد من المزارعين العراقيين المتجاوزين للحدود الكويتية، ومسألة الديون. أما فيما يخص إصلاح العلامات الحدودية وتعويض المزارعين فقد اتفق الطرفان على حلها حينما زار وفد برلماني عراقي الكويت العام الماضي برئاسة نائبه. في حين ظلت مسألة الديون عالقة إلى الآن، ومع ذلك يرى وزير خارجية العراق هوشيار زيباري في تصريح له قبل أيام بأن العلاقات الكويتية العراقية علاقات متينة وليس ثمة خلافات بين الطرفين!

بيد أن الكلام الدبلوماسي «لا يصلح ما أفسده الدهر»! فالنفوس في الطرفين مليئة، والمصارحة التي هي الشرط الأساسي للمصالحة لم تتم بين البلدين بالذات بين ممثليها المنتخبين، وبالتالي فنجد التصريحات المختلفة - والكثير منها متحامل - تصدر من هنا وهناك من الجانبين. فقبل مدة، اتهم النائب وائل عبد اللطيف.

وهو قاض سابق من البصرة وعضو حالي في البرلمان العراقي اتهم الجانب الكويتي بأنه يقوم «بشفط» كمية كبيرة من النفط من حقل الرميلة الذي يمتد بين البلدين مستخدماً تقنيات عالية في عملية الإنتاج! وأشار نائب آخر وهو مثال الآلوسي عبر قناة العربية الفضائية إلى أمور نربأ أن نكررها احتراماً وتقديراً لمشاعر إخواننا العراقيين، ولولا أنني شاهدته وسمعته بنفسي لما صدقت ما قال! ولا تقل الإشارات في الجانب الكويتي (غير الرسمي) عن ذلك. فالكثير من كتاب الأعمدة يتناولون الشأن العراقي بأسلوب غير مسؤول، يحرج الحكومة الكويتية كثيراً.

وثمة بعض التصريحات من أعضاء مجلس الأمة استفزازية وغايتها التكسب السياسي، كذاك النائب الذي طالب الحكومة الأميركية بعدم تسليح العراق بحجة أن ذلك سيؤدي إلى اختلال في ميزان القوى، ولم يسأل النائب الفاضل نفسه كيف سيدافع العراق عن نفسه إذا لم يمتلك سلاحاً؟!

ومشكلة تعامل الحكومة مع ديون العراق أن القرار بخصوصها ليس بيدها بل بيد مجلس الأمة الكويتي المنتخب من الشعب، وهذا المجلس ما زال غير مقتنع بإلغائها، وموضوعها إن طرح عليه سيكون مجالاً للتكسب السياسي وإثارة العواطف ودغدغة المشاعر.

حيث سيكون المزايدة على الحكومة في هذا المجال سهلاً، في ظل شعور عام لدى الكويتيين - ومنهم كاتب هذه السطور بالطبع - وهو شعور راسخ لديهم، بأنه تكمن في أعماق كل عراقي وفي وجدانه فكرة أن «الكويت هي جزء من العراق وهي قد سلخت عنها في ظروف تاريخية معينة» وما يترتب على هذا النوع من التفكير من نتائج وتداعيات كان آخرها غزو صدام للكويت واحتلالها!

غير أنه «لو خليت خربت» ففي الكويت عقلاء يفكرون بمنطق المصلحة الوطنية والقومية والإسلامية لا بل وبمنطق المصلحة الإنسانية البعيدة عن المصلحة الشخصية.

فقد ظهر علينا تقرير «الشال» الأسبوعي (والشال شركة تعد تقارير اقتصادية متخصصة يرأسها السيد جاسم السعدون، وهو اقتصادي كويتي مرموق) يدعو إلى استثمار تلك الديون بما يعود على الشعبين بالفائدة. ويصيب التقرير حينما يشير إلى أن «الدول خلافاً للناس العاديين تفكر بغلبة للعقل مع القليل من العواطف»!

ومن هذا المنطلق يرى التقرير أن أكثر ما تحتاجه الكويت وهي تسعى إلى أن تكون مركزاً تجارياً ومالياً رائداً في المنطقة هو «استقرار جارها في الشمال وازدهاره، لكي تخلق شراكة تجارية ومالية، مفيدة للكويت بالدرجة الأولى». وما تدعو إليه «الشال» قد جربته الأمم التي دخلت في حروب طاحنة مثل الدول الأوروبية والدول الآسيوية.

وبناء على ذلك، تقترح أن يدخل الكويتيون في «مفاوضات مباشرة ومفتوحة وصريحة مع العراقيين لتحويل ما يمكن الاتفاق عليه من الديون إلى مساهمات مباشرة في مشروعات مشتركة ونافعة للطرفين، مثل تطوير منطقة الأهوار، المفيد سياحياً وبيئياً للطرفين، أو مشروعات الغاز والكهرباء».

وترى «الشال» - وهي على حق - إنه» مع تحسن أوضاع الاقتصاد العراقي سوف يعوض ارتفاع أسعار المشروعات المشتركة فاقد الديون ويفيض ويربح الطرفان، ويكون النفع غير المباشر، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، أعلى بكثير من النفع المباشر».

نتمنى أن يتوصل الطرفان إلى مثل هذا الحل ليهنأ الشعبان بخيرات بلديهما ويطويا صفحة الماضي ويتطلعا إلى بناء شراكة اقتصادية رائدها الإخوة العربية والإسلامية والمصالح المشتركة.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com