عشية انعقاد مؤتمر «طاولة الحوار» الوطني اللبناني الذي دعا إليه الرئيس ميشال سليمان، شهدت الساحة اللبنانية جريمة إرهابية جديدة ذهب ضحيتها أحد أبرز قياديي الحزب الديمقراطي اللبناني الشيخ صالح العريضي.
هل يمكن فصل هذه الجريمة عن مجرى التطورات الأخيرة منذ اتفاق الدوحة وحتى اليوم؟ وهل يمكننا تجاهل وقوعها قبيل أيام معدودات من مؤتمر الحوار الوطني؟ بل هل يجوز ـ والحال هذه ـ فصل الجريمة المروّعة الجديدة عن سياق الجرائم الإرهابية السابقة بدءاً من اغتيال الرئيس رفيق الحريري حتى اليوم؟
القاعدة الجنائية منذ آدم وحتى القيامة تقول: ابحث عن المستفيد. وهنا في جريمة اغتيال الشهيد العريضي، كما في غيرها، نسأل: من المستفيد؟
من الجهة التي يسوءها الأمن والاستقرار والهدوء في لبنان، وينغّص عليها حياتها ويضرب مشاريعها ومخططاتها في لبنان والمنطقة؟.
ومن الجهة التي اعتدت وتعتدي على لبنان منذ ثلاثة عقود، واحتلت أرضه وقتلت شعبه، ودمرت بناه التحتية المرة تلو الأخرى؟
ومن الجهة، أو الدولة العظمى، التي شجعت الإرهاب ضد لبنان وداخله، وأعطت كل الأضواء الخضراء لضرب مقاومته والتي رأت أن عدوان تموز عام 2006 هو مخاض لولادة شرق أوسط جديد بهوية إسرائيلية؟.
التحقيق في جرائم الاغتيال والإرهاب التي شهدها لبنان لا يبدأ من مسرح الجريمة فقط ولا يتم عبر السؤال عن حجم العبوة الناسفة التي أدت إلى استشهاد هذا أو ذاك، ولا بالبحث عن خيوط قد تؤدي إلى المجرمين، على أهمية كل ذلك، بل تبدأ بالتقصي عن المستفيدين منها، وليس المتضررين، وعن الهدف المفترض الذي جعل هؤلاء المستفيدين ينفذون جريمتهم.
القضية هنا ليست قضية جريمة اغتيال تضاف إلى جرائم سابقة، بل هي قضية بلد مستهدف في أمنه ووحدته الوطنية ووجوده وتاريخه ومستقبله، وقضية ما أبعد من لبنان وسورية والمنطقة، ربما هي قضية العروبة المستهدفة، والنهج المقاوم من لبنان وسورية وإيران وصولاً الى فنزويلا وبوليفيا وقبلهما كوبا، ومعها شعوب العالم دون استثناء.
نتذكر اليوم جرائم الاغتيال التي شهدتها دول أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا وغيرها والدور القذر الذي تباهي به وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، نتذكر باتريس لوموبا وسلفادور الليندي وغيرهما كثير، كما نتذكر دعم الولايات المتحدة للأنظمة الديكتاتورية في جمهوريات الموز ودول أميركا اللاتينية قاطبة، وتدريب فرق الموت في الولايات المتحدة وعلى أيدي كبار خبراء الاغتيالات والتفجيرات والانقلابات، وأكثر «عباقرة» سياسة قمع الشعوب والحركات المناضلة من أجل الحرية والسيادة والاستقلال في العالم، وهي الفرق التي أطالت عمر الأنظمة الديكتاتورية تلك، وأبقت الدول التي تحكمها تحت جناح الولايات المتحدة.
ما علاقة كل ذلك بما نحن في صدده، أي بجريمة اغتيال العريضي الإرهابية؟ وما سبقها من جرائم في لبنان؟
قد يتساءل بعضهم عن ذلك، إلاّ أن السياق التاريخي للأحداث منذ أضحت الولايات المتحدة دولة عظمى، يضطرنا إلـى ربط الماضي بالحاضر، مع الأخذ في الاعتبار الأهداف الأميركية في السيطرة على العالم ووضع اليد على طرق إمداد النفط، ونهب الثروات الوطنية للشعوب، وتحويل الدول الى أسواق للبضائع الأميركية إضافة الى مشاريع توسعية لها طابع أميركي حيناً، وصهيوني أحياناً، كل ذلك يمكن أن يوفر الجواب لمن يسأل عن ربط اغتيال الليندي ـ مثلاً ـ باغتيال ياسر عرفات وصالح العريضي ورفيق الحريري وعماد مغنية، ومن قبلهم جميعاً.
قد تكون الأداة التي نفذت الجريمة لبنانية، وهذا مرهون بنتائج التحقيقات، إلاّ أن الجريمة صنعت في مكان آخر ولأهداف لم تعد خافية على أحد.
المهم أن المتضررين من الوفاق الوطني اللبناني بهوياتهم متعددة الجنسيات، حاولوا أكثر من مرة ضرب اتفاق الدوحة، ونسف الجهود المبذولة للخروج من الأزمة، وظنوا أنهم بعملية اغتيال جبانة جديدة، سيضربون ضربتهم، ويعيدون عقارب الساعة إلى ما قبل الدوحة، وربما إلى ما قبل ذلك عام 1975، كي تحقق الفوضى الخلاّقة نجاحاً ولو مؤقتاً ومحدوداً، يمهد الطريق أمام نجاحات أخرى على الطريق نفسه، لإحياء مشروع الشرق الأوسط الجديد، وإمداد المشروع الصهيوني بدم جديد يجعله قادراً على الاستمرار والحياة إلى أطول فترة ممكنة، إلاّ أن حسابات حقلهم سقطت أمام بيادر لبنان والعروبة الحق، وفوتت الفرصة ـ وستفوت ـ أي فرصة لاحقة للعبث بالأمن القومي العربي، وإذا كان نَفَس صناع الموت طويلاً، فإن نَفَس المناضلين المدافعين عن الحق والعدل والحرية أطول، ولن يكتب النصر في نهاية المطاف إلاّ لهؤلاء المناضلين، وللشعوب المتمسكة بمبادئها وكرامتها وحقوقها وحريتها.
